تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


العدائية.. «الفيسبوكية»

إضاءات
الجمعة 31-8-2018
لينا كيلاني

موقع إلكتروني يصلح لأن يكون أداة تسلية، وترفيه عن النفس، يجعلك تشعر بأنك متصل بنبض الحياة، مطلع على ما يجري من أحداث، وحكايات.. إلا أنه مع مرور الوقت تحول الى أداة للعداء، فكم من المهاترات تسجلها الصفحات بين أناس بالكاد يعرفون بعضهم بعضاً.. ويكاد المرء لا يعرف سبباً لهذا العداء المكبوت في النفوس..

لكن خبراء (الفيس بوك) من المتخصصين بعلم النفس، والاجتماع، ومَنْ يقفون خلف شعاره يعرفون.. وهم يحللون أنماط الشخصيات، كما أنماط السلوك.. ليمهروا كل أمة بسِماتها. أما تصميم هذه المواقع فهو يلعب أساساً على الشعور، والمشاعر، وما يفرزه الدماغ من هرمون السعادة عندما يدخل المرء اليها.. حتى وصلت بمستخدميها الى مرحلة إدمانها، وكأنها صنف جديد من أصناف المخدرات.‏‏‏

مواقع إلكترونية هيأتنا لسرعة الانفعال، كما التعبير بسرعة عن هذا الانفعال.. وأنماط جديدة من العدائية أصبحنا نلاحظها، ونحن نتعرض لها من خلال (الفيس بوك)، وغيره. فمن يتناولك بالتجريح، وهو لا يعرف عنك شيئاً، إنما يفعل ذلك فقط لأنه يختلف معك، وقد أصبح هذا أمراً شائعاً جداً.. لكنني أتساءل بل وأتعجب: كيف يمكن لشخص أن يهاجم آخر بهذا الكم من العداء، والتعدي اللفظي وهو لا يعرف عنه شيئاً!!.. من أين أتت هذه الكراهية التي تنبع من النفوس وكأنها دخان أسود يخنق صاحبه قبل أن يخنق رفيقه.. وإذ أستهجن ذلك الانحدار الذي يصل الى القاع لا أستطيع أن أجد مبرراً واحداً لأحقاد القلوب السوداء هذه.‏‏‏

وما يسترعي الاهتمام في حالات العداء (الفيسبوكية) هو سهولة التجاوز على الآخر، وقد نسي المتجاوزون أن هناك قانوناً يمنع، ويحظر. وهي على أي حال ظاهرة تستحق الوقوف عليها. وهؤلاء المشحونون بالغضب والعداء ما أظن إلا أنهم لم يتجاوزوا بعد أميتهم الحضارية.. فالحضارة ليست فقط في مظاهرها بل هي في حسن الأداء، وحسن التعامل مع الآخر وتقبله، كما احترام عقله، وفكره، وحريته الشخصية في مساحته التي هي ملك له ليعبر من خلالها عن نفسه، ولا يحق لأحد أن يدخل إليها.‏‏‏

وإذا كنا نتحدث الآن عن أهمية التداخل الثقافي بين الشعوب، وتفاعل الحضارات نحو بناء حضارة إنسانية واحدة فإن هذا الفضاء الأزرق هو نموذج لذلك لأنه حقق التواصل، والتداخل الثقافي على أوسع نطاق له، وبشكل غير مسبوق في التاريخ الإنساني.‏‏‏

إذن.. من لم يمحُ بعد أميته الحضارية لا يحق له أن يستخدم أدوات الحضارة.. لتنحدر الصفحات الى القاع من خلال العبارات النابية، والصدامات الدامية حتى يكاد يصطبغ الموقع باللون الأحمر لون الغضب الدامي.. أو باللون الأسود لون الكره المتنامي.‏‏‏

وكما قيادة السيارة التي تفضح أخلاق سائقها كذلك (الفيس بوك) يفضح أخلاق مستخدميه. ومهما حاولنا أن نحجب عيوبنا عنه من خلال ادعاءاتنا، وتجميلنا لأنفسنا على غير حقيقتنا فإن تواصلنا اليومي، واندفاعنا اللحظي يفضحان من حيث لا ندري من نحن.. ويكشفان بالتالي حقيقتنا التي خبأنا جزءاً مهماً منها وراء شاشة (الكمبيوتر).. ذلك لأن المرء يستطيع أن يزيّف كل نفسه لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع أن يزيّف جزءاً منه لكل الوقت.‏‏‏

كممثل رديء لا يجيد أداء دوره.. أو إنه كما المجرم الذي يترك دليلاً واحداً وراء جريمته يقود إليه، لانتفاء وجود الجريمة الكاملة.. كذلك التزييف ينكشف فجأة وبخطوة واحدة.. تكفي لكي يتنبه الآخرون إلى سر شخصياتنا ونحن لا نشعر، ويكادون يعرفوننا أكثر مما نحن نعرف أنفسنا.‏‏‏

إن عدائية (الفيس بوك) تكاد تصل إلى نوع من الإرهاب يمارسه أناس بحق أناس آخرين يريدونهم أن يصطبغوا بصبغتهم، وأن يوافقوا أفكارهم، ومعتقداتهم، وتوجهاتهم، وخاصة السياسية منها.. ومن احتفظ بآرائه لنفسه لابد لهذا الإرهاب الإلكتروني أن يطوله بصورة أو‏ بأخرى حتى يُصرّح عن أفكاره.. فإذا ما وافقت اتفقوا.. وإذا ما خالفت فما من دريئة تحمي صاحبها من موجات السخرية، والغضب المتنامي. تماماً كما حصل منذ وقت قصير مع أحد رواد مواقع التواصل الاجتماعي عندما طرح رأياً قابلاً للنقاش حول حرية اختيارات الحياة، وهي حق لأي أحد مادامت لا تصطدم بجدار المحظورات.. لينال هذا المحاور عشرات الألوف من تعليقات الهجوم، والتجريح، ما استدعى معه بعض البرامج التلفزيونية لأن تقف على الحدث، وتفرد له وقتاً.‏‏

أما السياسة وما يتجاذبها من أقوال، وأفعال فهي الحلبة الأوسع لكل هذه الظواهر السلبية لتظهر على ساحتها بما لا يليق بأحد.. والمواقع الإلكترونية تسجل، وتراقب لكنها لا تحاسب مادام الناس يجدونها فرصة ليعبروا عن غضبهم المكبوت، وافتضاح المسكوت عنه، وكأن ليس هناك من رادع قضائي من حقه أن يعاقب، ويحاسب كل من يتجاوز سواء في الإساءة الى الأفراد، أو الى الدول، والمؤسسات.‏‏

العداء للأعداء.. والصداقة للأصدقاء.. وما على هؤلاء إلا أن يتعرفوا الى المعنى الحقيقي الذي يقع خلف الكلمات.. لعل التصالح يأتي من بعد العداء.. ولا يفسد اختلاف الرأي للودّ قضية.‏‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 لينا كيلاني
لينا كيلاني

القراءات: 210
القراءات: 233
القراءات: 219
القراءات: 322
القراءات: 267
القراءات: 346
القراءات: 395
القراءات: 386
القراءات: 462
القراءات: 451
القراءات: 449
القراءات: 525
القراءات: 578
القراءات: 548
القراءات: 637
القراءات: 679
القراءات: 657
القراءات: 619
القراءات: 654
القراءات: 724
القراءات: 756
القراءات: 729
القراءات: 819
القراءات: 839
القراءات: 876

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية