تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


مطر أسود

معاً على الطريق
الأربعاء 1-8-2018
أنيسة عبود

هي رواية الدهشة والألم.

رواية الصراحة والمصارحة الممزوجة ببعض السيري والتخييلي والوثائقي، أو لنقل رواية الجرأة التي استطاعت أن تغوص في الواقع السوري فتحلله وتصفه بعين المثقف المطلع وبمقدرة الروائي المفكر الذي يمسك بأبطاله‏

حتى لا يتحركوا عشوائياً» وفوضوياً» بل يوجّههم ويقودهم ويرسم حواراتهم المنبثقة من الموقف ومن الرؤيا الواقعية.‏

مطر أسود..‏

هذا هو عنوان الرواية الجديدة الصادرة عن وزارة الثقافة السورية للروائي والأديب المعروف سليم عبود والتي حصلت على جائزة حنّا مينة للرواية العام الفائت، وما يلفت النظر إلى هذه الرواية هو أنها جاءت بعد سلسلة روايات للكاتب - منها سنديان الذاكرة.. وشم امرأة.. النوّ.. وغيرها من الروايات التي اهتمت بالواقع السوري والعربي واشتغلت على التحولات التي أصابت المجتمع العربي في العقود الأخيرة.. إلا أن رواية (مطر أسود) التي خرجت للنور حديثاً» بقدر ما هي حلقة متصلة مع الروايات التي سبقتها لكنها في ذات الأمر تعتبر حلقة منفصلة عن سابقاتها لأنها تنهمك بالواقع الحالي وما تعيشه الأمة العربية الآن من تمزق وتراجع اقتصادي وسياسي وأخلاقي وعقائدي عبر لغة سلسلة متاحة تنساب فيها الأزمنة والأحداث الموثقة والأماكن المتداخلة فيما بينها.‏

في الرواية جرأة قلّما اعتدناها في الرواية السورية حيث يتطرّق الكاتب إلى الأحزاب السياسية والدينية ويستفيض في التحليل حول تراجع دورها ويقول على لسان والد البطل (الأحزاب تنتج أغوات من نوع آخر)‏

ويقول أيضاً: (إن من في فمه ملعقة من ذهب لا يفكر بحال من في فمه ملعقة من خشب).‏

مهمومة كتابة سليم عبود بالفقراء.. موجوعة بتعب المسحوقين والمقهورين لذلك تأتي لغته محمّلة بفيض من الدلالات والرموز التي تعبر عن واقع مأزوم لم تستطع الأحزاب التقدمية قراءته في الآونة الأخيرة لأنها أحزاب شاخت ولم تستطع تجديد نفسها لتواكب عصر العولمة والتحولات الخطيرة.‏

في الرواية عدة أزمنة متداخلة.. يبدأ زمنها الأول من أحداث الإخوان المسلمين في حلب وكيف حاصروا دار المعلمين فاضطر وسيم البعثي للقفز من أعلى السور حتى لا يذبح على يدي المتطرفين الذين لم ينجحوا إلا ببث الذعر والخوف والخراب ليعاودوا الكرّة مرات ومرات عبر قتل العقول النيّرة وآخر تلك الجولات للإخوان ما يحدث في سوريا اليوم من تدمير للبلد وتمزيق طائفي وجغرافي، ما أدّى لتحميل أبطال الرواية الكثير النقد والحزن والتحليل المنطقي بحكم أن بطل الرواية مخضرم في العمل السياسي ولديه رؤياه المميزة من خلال تجاربه وأسفاره ولقاءاته بنخب سياسية سورية وعربية.‏

ولكن كل هذا الزخم الموجع لا يمنع من الحب والبوح بين جوليا ووسيم.. ولا يمنع من تناول قصة حب جميلة موجعة بين شابين ينتميان لطائفتين مختلفتين ولطبقتين مبتعدتين كلياً.. فهو الريفي الفقير المسلم القادم من الوحل والمطر والشقاء والحقول المجدبة التي كان يذهب ريعها للآغا.. وهي ابنة حلب المسيحية المدللة الساحرة المندفعة بلا حدود.. غير أن القصة لم تكتمل لأن وسيم الريفي الفقير لم تغيّره حلب ولم تجرفه عاطفته فقد أعطى وعداً لأم جوليا بأن يبتعد عنها.. كان الابتعاد قاسياً، مرّاً على شاب يقع في الحب لأول مرة، وربما ظلت صورة جوليا تلاحقه كما يلاحقه نهر قريته ووجه أبيه والمطر.. ولم يستطع التخلص من ذاك الماضي المرير.. وعندما التقى عفراء المرأة الناضجة الصديقة المنتمية راح يسرّها ويحاورها بوجعه الخاص والعام.. وربما استطاعت عفراء أن تنوب عن امرأة ضيّعها في تلافيف الزمن البهي.. وفي مداولة القصّ والبوح إلى عفراء الصديقة الحزبية يسترد بعضاً من حبيبته أو يستعيد ذاته المعذبة وينقل عبرها مواجع ما يجري في سنوات الحرب على سوريا.. فتصير عفراء الوجه الآخر لجوليا ويصير الماضي حاضراً بقوة من خلال الأبناء والأحفاد لتتواصل السلسلة فلا تنقطع إلا مع الذبح والقتل والتهجير لأبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم يدافعون عن هوية.. يتطرق الروائي في (مطر أسود) لأسماء معروفة مستخدماً آراءها مثل ممدوح عدون وغيره وبالتالي تبدو الرواية وكأنها رواية السيرة الذاتية إذ إن الكاتب يتماهى مع البطل فلا فرق بين وسيم وسليم وهذه ميزة لأنها توهم القارئ بأنه يتلصص على حياة الكاتب وهذا يضفي إثارة ومتعة.‏

عموماً الروية جديرة بالقراءة والتأمل لأنها تلخّص الواقع منذ حرب حزيران حتى الآن عبر لغة جميلة توّاقة للدهشة والتفرد، جريئة وموجعة، وقد استحقت الجائزة بجدارة فعلاً.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 أنيسة عبود
أنيسة عبود

القراءات: 47
القراءات: 98
القراءات: 154
القراءات: 144
القراءات: 160
القراءات: 303
القراءات: 196
القراءات: 243
القراءات: 247
القراءات: 247
القراءات: 319
القراءات: 350
القراءات: 314
القراءات: 351
القراءات: 378
القراءات: 447
القراءات: 401
القراءات: 393
القراءات: 420
القراءات: 436
القراءات: 447
القراءات: 546
القراءات: 486
القراءات: 559
القراءات: 474
القراءات: 552

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية