تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


الكتابة على مقياس الألم

معا ً على الطريق
الأربعاء 9-5-2018
أنيسة عبود

يكتب الأدباء العرب حالياً من منطلق ما يجري في المحيط العربي.. وغالباً ما تأتي هذه الكتابة كردة فعل لما يعاينه المبدع ولما يتأثر به، بغض النظر عن التدقيق أحياناً والتمحيص.. لينتهي إلى عمل انفعالي مليء بالصور المؤلمة والصادمة،

وهذا حق طبيعي للكاتب لأن بؤرة الألم عميقة وعنيفة وقادرة على تحريك كوامن الروح والألم، فمشاهد الواقع تفوق خيال الكاتب ونبوءاته وتصوراته عن الماضي والحاضر والمستقبل.‏

ولكن السؤال هو ماذا سيبقى من هذه الكتابات؟‏

وكم ستؤثر في الأجيال القادمة التي لم تعش تلك الفترة العصيبة من التاريخ العربي.. وهل ستصدق الكاتب عندما يتحدث عن الذبح أمام الكاميرات؟ أم عندما يحتوي العمل قصصاً موثقة عن الاغتصاب والشنق والحرق وقطع الألسن وشق البطون وأكل الأفئدة؟‏

هل سيتعامل معها على أنها تاريخ مضى وأن تاريخنا العربي متشابه منذ نشأته فهو مليء بالدم والأشلاء والتكفير ورفع السيف لتقول الشهادة أو تذبح؟ لذلك ربما لن يعير انتباهه لهذه الصنوف من الروايات التي تزرع الإحباط والخيبة وتظهر وحشية الإنسان العربي.‏

غير أن الإبداع دائماً ينهل من الواقع.. وهو ابن بيئته.. ولا يمكن للكاتب أن يخرج من بيئة الدم والقتل إلى بيئات وردية مليئة بالمواعيد والشوق والحدائق المزهرة.‏

الورد الأحمر في الدول العربية هو الدم.. والورد الأبيض هو الكفن والأصفر هو الإعلام الخبيث الذي يزرع الحقد وتقوده الصهيونية العالمية المسيطرة على أكبر مؤسسات الصحافة والإعلام في العالم.‏

إذن ماذا يبقى للكاتب، إلا أن يوثق ويؤكد على مصداقية نصه وأن ما يكتبه ليس خيالاً بل هو حقيقة.. وهذه الحقيقة هو يشهد عليها ويكتبها لتكون عبرة للأجيال القادمة ولتكون وصمة عار في جبين الإنسانية التي تدعي التقدم والتحضر والرقي. وربما من أجل المجابهة التاريخية بين من يزور الحقيقة ويصوغ التاريخ على هواه وبين من صنع التاريخ وكتبه بدمه.‏

لكن من المؤكد أن بعض الأعمال الأدبية التي تنطلق من هذه المجريات والأحداث السريعة الفتاكة تكون بحاجة للتريث والتأمل طويلاً حتى لا يأتي النص (كما ذكرت انفعالياً) فيتجاوز الكثير من الفنيات والتقنيات الإبداعية في سبيل إيصال الفكرة المفخخة والتي يضيق صدر الكاتب بها فهو بالنهاية إنسان يتألم ويحزن ويتأثر.‏

لكن هل يمكن الاستغناء عن هذه الكتابة؟‏

وهل يمكن للأديب أن يتأنى وينتظر حتى تهدأ براكين الجيشان والإحساس؟.‏

لا أعتقد ذلك.. بل أجد أن من واجب الأديب المنتمي للإنسان وللفن والأدب أن يكتب.. وأن يترك ذلك للزمن (كما فعل الكتاب الروس أثناء الثورة البلشفية) وكما فعل كتاب أميركا الشمالية أثناء الحرب الأهلية.. فالزمن قادر على غربلة المنتج الإبداعي ليبقى المميز منه وليوضع على الرف ما تبقى.. لكن لا شيء دون جدوى.. قد تتغير المعطيات.. وتتغير الأحكام والقوانين الفنية لأنها ليست ثابتة.. وهي بالنهاية من صنع البشر.. فما كان جيداً الآن قد يتناساه الزمن غداً.. وما نجده اليوم غثاً قد يجيء يوم ويكون هو العمل البطل.‏

كل شيء قابل للتحول والتبدل حتى الجماليات الأدبية المتعارف عليها اليوم. لذلك على المبدع أن يكتب ما يمليه عليه إحساسه ووعيه المعرفي وثقافته و رؤياه، ولا ينتظر حتى يكتب الطرف الآخر وجهة نظره الخاصة التي تزور التاريخ وتزور الحقائق.. وهذا الأمر وارد الآن وقد ظهرت روايات وكتابات متوحشة.. مع ذلك صفق لها تجار الحروب ومنحوها شهادة ميلاد رسمية لتكون هي المقياس المعول عليه في إنتاج ذاكرة وحيدة للحرب.‏

صحيح أنه كما يقال (لا يصح غير الصحيح) إلا أن هذا الصحيح خاضع للتزوير والتزييف ولا ندري كم قرناً من الزمن نحتاج لنصحح هذا الصحيح ويأتي متبختراً منتصراً.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 أنيسة عبود
أنيسة عبود

القراءات: 53
القراءات: 135
القراءات: 128
القراءات: 158
القراءات: 180
القراءات: 172
القراءات: 182
القراءات: 221
القراءات: 227
القراءات: 229
القراءات: 286
القراءات: 286
القراءات: 279
القراءات: 429
القراءات: 306
القراءات: 364
القراءات: 360
القراءات: 350
القراءات: 428
القراءات: 463
القراءات: 426
القراءات: 458
القراءات: 482
القراءات: 575
القراءات: 526
القراءات: 508

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية