تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


ملامح ضائعة

معاً على الطريق
الأربعاء 27-6 -2018
أنيسة عبود

لم يكن في الطريق سواها .

تكاد تضيع عن مفرق قريتها .. ولولا بيت الشيخ حسن القديم الذي يختبئ وراء أشجار الصفصاف والتين العتيق وشجرة الدلب الوحيدة عند النبع , كانت ستقسم بأن هذا الطريق لا يؤدي إلى مسقط رأسها الذي ..تلفتت حولها وهي تراقب الطريق المعبد الملتوي بين عشرات البيوت العشوائية والمداخل المتكئة على أكياس زبالة سوداء ويا سمينة بيضاء وبعض الطيون الذي ينتشر بين طيات الإسفلت ..للطيون رائحة طفولتها .وللإسفلت لون حذائها الباهت المتقشر ..ولهذه الزحمة في العمران شكل الحرمان والصبر والطفولة البعيدة ..مسحت عينيها وهي تحاول التقاط مشهد من مشاهد الماضي الذي حفره الزمن في ذاكرتها ..هناك وراء الصفصاف كانت حاكورة البصل .وقربها كان التنور حيث تقف أمها بوجه اللهب الصاعد مع رائحة الخبز المشوي على الجمر .الرائحة تركض في الهواء وتلفّ القرية , بينما جمع الأطفال يركض ليأكل حصته من ( كماج الزيت أو فطائر الزبدة بالسكر .) تشعر أنها تتنشق رائحة الزبدة المشوية ورائحة كروم التين والعنب .لكن للأسف لم تر كروم تين ولا عنبا»..كل ما هنالك حقول برتقال .وبيوت بلاستيكية ونهر يتلمظ من العطش وقد تخلى عن الضفاف وعن القصب البري والسماق والعيصلان ..النهر تحول إلى أطلال مجرى لا أكثر .لا سمك نهري ولا سللور ولا ضفادع تنق .ولا نساء يغسلن عند ( الدوار )‏

تنهدت وهي تقف قرب شجرة زيتون وهمست لنفسها ( هذه ليست قريتي )‏

قريتي تضجّ بالخضرة والمروج والفضاء النقي الممتد إلى جبال شاهقة تقف منذ آلاف السنين شاهدة على الدروب والحكايات والحروب وأوجاع الناس ..صحيح كانت بعض البيوت تعاني من ( وكف ) الشتوية أي الدلف ..وكانت تنقطع لأسابيع عن المحيط الخارجي بسبب الأمطار الغزيرة وفيضان النهر الذي يجرف الجسر الوحيد الذي يوصلها بالقرى المجاورة ..إلا أن الحياة فيها كانت بسيطة ومليئة بالطموحات والتصميم ..التآخي والتعاون سمة الجيران ..لا يمكن أن يهطل عليها الليل دون معرفة أخبار الجميع وأحوالهم والاطمئنان أن الكل عاد إلي بيته من الحقول أو من المدينة .‏

تابعت سيرها .لم تجد من يمشي في الطريق لتسأله عن القرية بعد أن غزت مجمعات سكنية الحقول والسهول ..مجمعات كعلب الكبريت .عادة تجد مثل هذه المجمعات البائسة في المدينة .أما هنا في الريف فلا مبرر لكل هذا الاكتظاظ و التزاحم دون وجود أي فسحة خضراء أو سماوية .كأن البشر يبحثون عن سقف فقط ..مجرد سقف يحتمون به ..صحيح أن الحرب الفظيعة جعلت الجميع يشعرون أنهم دون سقف ودون باب ..وأنهم يعيشون في غابة ..لذلك ربما تكون حالة التجمع ردا» على الخوف والفزع ..ولكن العالم يتطور والعمران صورة من صور التطور فلماذا كل هذه البشاعة في التخطيط والتنفيذ ..وهذه الطرق الضيقة التي لا تتسع لمرور سيارتين متعاكستين ..إذا كان عليها أن تقف حتى تعبر السيارات المسرعة .لم يفاجئها أن أحدا لم يعد يمشي ..لكن الذي أدهشها من أين ولدت كل هذه السيارات على الرغم من الحرب والفقر والغلاء .؟‏

حين وصلت إلى باحة القرية الصغيرة الملمومة على نفسها لم تجد أحدا» يعرفها .حزنت وشعرت بالغربة ..حتى الحيطان لم تعرفها .بينما تحولت حاكورة البصل والسلق إلى مجمع سكني رصاصي , بأبواب ضيقة ونوافذ خانقة .سألت احد الرجال العابرين عن بيت ( الطيون )‏

قال الرجل ( لا أعرفه .وأكد انه لا يوجد عائلة بهذا الاسم ) (..ابتسمت مستغربة وهي تروي له حكاية العائلة وأنها تملك نصف حقول القرية ..و )‏

هزّ الرجل رأسه متأسفا» لأن أهل القرية غادروها وسكنوا في بيوت جديدة بعد أن تحولت الحواكير والمروج إلى أبنية طابقية للبيع والإيجار .‏

دقت أبوابا» عديدة .لم تستدل على بيت الطيون .وبعد أن غادرت علمت أن بيت الطيون لقب وهذا اللقب يعرفه أهل القرية الأصليون فقط .أما سكان الطوابق ( الكبريتية ) فلا أحد يعرف أحدا»..تأسفت لأنها لم تستدرك ذلك .وأنها لم تعرف أن اسم القرية تغير ..ولأنها موقنة أن تغيير الاسم يغير في الشخص وفي المكان لذلك هاجرت من جديد وهي تردد ( هذه ليست قريتي )‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 أنيسة عبود
أنيسة عبود

القراءات: 91
القراءات: 151
القراءات: 136
القراءات: 174
القراءات: 193
القراءات: 180
القراءات: 193
القراءات: 228
القراءات: 236
القراءات: 238
القراءات: 297
القراءات: 303
القراءات: 290
القراءات: 438
القراءات: 318
القراءات: 374
القراءات: 367
القراءات: 361
القراءات: 438
القراءات: 478
القراءات: 437
القراءات: 472
القراءات: 488
القراءات: 583
القراءات: 543

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية