تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


عتبات غريبة

معاً على الطريق
الأربعاء 16-5 -2018
أنيسة عبود

لا أحد يعرف بعد سنوات الحرب المريرة، ما إذا كانت الحارات تذكر ماضيها من الأيام؟.

وتتذكر الأشخاص الذين كانوا هنا.. عبروا حجارتها.. وداسوا غبارها.. واستظلوا بشرفاتها. أشخاص لهم عناوين على أبوابها ولهم وجوه منقوشة على نوافذها.. وحكايات.. حكايات طويلة لا تنتهي أبداً وكل حكاية مربوطة بأخرى إلى أن تبتعد في الزمن وتغوص في الألم، ثم تتدرج في الماضي والمستقبل.. وعندما تقف وجهاً لوجه مع الزمن الجديد تسند جسدها المتعب على حائط الذكريات وتبكي متسائلة‏

من أنا؟‏

هل أنا حكاية عشتار التي خرجت بأسمائها الملونة وأقنعتها المتعددة، فمرة كانت فينوس، ومرة ماري، ومرات إيزيس. فتعددت الأسماء والجوهر واحد.‏

أم أنا سميرا ميس وكليوباترا وهاجر وفاطمة وشجرة الدر؟‏

يا للحكايات التي لا تنتهي بل تدور من عصر إلى عصر مجتازة حجارة الزمن وحجارة الأفكار التي تشجّ الرؤوس والقلوب ولا يغيرها حتى الدم.‏

والدم كثير في كل الأزمنة.. كأنما الأرض تحتاج إلى ضحايا كل فترة من الزمن.. ضحايا يقدمون الدم أنهاراً والأجساد حطباً والأرواح مطراً لا يكفي لتزهر الحياة مرة أخرى.. فكم تكلف الحياة حتى نعيشها بسلام ونملأ حاراتها بالعطاء والعشب الأخضر.؟‏

إنها الحارات التي تشكلنا في البداية، وسيلازمنا عقلها وعاداتها حتى النهاية.. وكلما ادعينا التحرر منها نهرب من بعض صورها إلى صورها الأخرى.. لكن يبدو أننا لن نستطيع الخروج من بواباتها الضيقة ولن نقدر على الركض طويلاً خارج أسوار حكاياتها الأليفة والمجنونة.. والدليل على ذلك أن معظم الكتاب والمبدعين الذين اجتازوا عتبة الحارة وحلقوا بعيداً، نافضين عنهم غبار الأزقة وانحناءات الزواريب.. وغيروا من لهجة الشوق والحنين.. عادوا بعد أن خبروا عتبات العالم وحكاياته وذاقوا (دجنه المختلف) عادوا إلى صورتهم الأولى وإلى عتباتهم التي تحولت بنظرهم إلى عتبات واسعة، مشرقة حانية.. بل شعروا أنهم لا يقدرون أن يكملوا حكايتهم الطويلة ولا أن يضعوا لها خاتمة مبهرة، بعيداً عن الحكايات الأولى والشوق الأول - جذوة النار - التي هي برد وسلام على روح متعبة، شتَّتها الأسئلة وحيرتها الأجوبة.‏

لذلك نجد هؤلاء البائسين في الشوق وغربة العتبات يعودون إلى البدء حيث كان الطفل يكرج على عتبة المعرفة الأولى ويزقزق كما عصفور شيد عشاً جديداً لفراخه.‏

ومع أن الفراخ نائية.. والعتبات غائبة.. والشجرة الأولى المزروعة في الوجدان، تخلعت أغصانها وتعرت أوراقها ولم يبق منها إلا جذع واقف في الأمل والحلم واللهفة. مع ذلك هذا الجزع يجابه كل النهايات المتخيلة لنص لا يمكن أن يكتمل إلا ببناء ضريح في مقام الطفولة مكتوب عليه وصية البداية (هذا بيت فلان) الذي جاب كل محطات التغريب والغربة. فلان الذي يبحث عن وجهه في مرايا الكون وفي أعماق الأنفس المتمردة والأفكار المقلقلة التي تزلزل أركان الحارات والعتبات. لقد غاب طويلاً محاولاً إيجاد (عشبة أوتناباشتيم ) باعتباره بطل هذا الزمن المتحول، المتغير، الذي يعتقد بأنه قادر على صياغة المسكوت عنه بطريقة أخرى وضمن عتبات أخرى لا علاقة له بالعتبات النائيات اللواتي ركضن خلفه منذ كان يرتدي ذاك القميص الملون بالبؤس ويتكوم في حضن سبحة جده بينما أحجارها تتلاطم في عقله وألوانها البراقة تلمع في عينيه كما يلمع البرق.. والبرق خاطف.. وهذا هو البرق الذي سيجتاز العتبات. إلا أن العتبات لحقت به وأعادته من جديد.. عارياً من كل الأبواب والنوافذ والشرفات لا يلتفت إلى الذي مضى وكأنه بداية لرواية لا تعجبه وعليه أن يختار بداية أخرى ويترك النهاية لعتبات أسئلة جديدة.. فيتجه إلى مكانه الأول وبدايته الأخيرة.. هنا يسكن فلان.. هنا كانت عتبته الأولى.‏

وهناك عتبات تصطف ولكنها قد لا تستطع أن تتذكر الوجوه ولا الأسماء.. وعليها فقط أن تنحني لأرواح عادت وسكنت في حسرة الشوق وبهاء الحنين.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 أنيسة عبود
أنيسة عبود

القراءات: 67
القراءات: 139
القراءات: 131
القراءات: 161
القراءات: 183
القراءات: 174
القراءات: 184
القراءات: 223
القراءات: 230
القراءات: 232
القراءات: 288
القراءات: 288
القراءات: 282
القراءات: 432
القراءات: 310
القراءات: 367
القراءات: 362
القراءات: 352
القراءات: 431
القراءات: 466
القراءات: 429
القراءات: 462
القراءات: 484
القراءات: 577
القراءات: 531
القراءات: 511

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية