تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


مظلات ملونة

معاً على الطريق
الأربعاء 15-8-2018
أنيسة عبود

لا تحمي المظلات التي نحملها من مطر الكلام الحمضي الذي يثقب الروح.. ولا من برد الرؤيا..

ولا تقينا من حسرة الشمس التي تسقط على أدمغتنا اليابسة.‏

مظلات كثيرة تدور فوقنا ونحن ندور هرباً من سطوتها.. لكن للأسف.. المظلات مغروسة في عظامنا. نركض أمامها وهي دائماً خلفنا.‏

...........................‏

المظلات الملونة لا تحمي قلوبنا من القحط المتناثر حولنا.. ولا تمنع هبوب الحيرة من كل الجهات. عرجون الشك لا يزول ولا يحول.. يحاصرنا.. وكلما ابتعد نناديه ونتقد في حضرته كشموع ذائبة.‏

...............................‏

لا تحمينا المظلات من عاصفة البرد التي في داخلنا..‏

ولا يمكن لها - مهما كانت كبيرة - أن تظلل على خيباتنا.‏

لنحتمي بأنفسنا إذن..‏

وإذن.. طريقنا طويل.. والمطر غزير.. والمظلات جميعها قد تتشلع.. أو تغير اتجاهها في لحظة حرجة.‏

................................‏

في طفولتي كانت أمي تصنع من غطاء الطاولة مظلة كي تحميني من هبوب أسئلتي..‏

لماذا كل هذا الوحل في دفاترنا؟ ولم كل هذا البرد في خيالنا؟ غير أن المظلات الملونة حلّت محل الغطاء البلاستيكي ومحل الطاولة، لكن الأسئلة ما زالت تنهمر.. وما زال البرد يتغلغل في أفكاري منذ ألف عام ونيف.. كأنما الذي مضى عاد والدلف هو ذاته في بيوت القرميد وفي بيوت الطين وفي كثير من القصور المشيدة.‏

...............................‏

لم تحمِ المظلات المستوردة من قرع الطناجر في الليالي المظلمة.‏

ولم تخبئ الرأس المقطوع تحت حريرها.. ولا الأكباد المنهوشة بين أضلاعها ولا الرؤوس التي تلمع ببريق السيف عند قبضتها.. هي المظلات ذاتها.. ظلت تنزف وترفرف بألوانها.‏

..................................‏

المظلة التي اشتراها أبي لي وأنا صغيرة لم تمنع عني هطول مطر التاريخ.. ولا تنين الأفكار الجارفة.. كان يركض خلفي ويناديني باسمي.. يمشي في كتبي وبين أحرفي.. وأنا لم أعطه عنواني.. ولا تاريخ ولادتي.. لم أكتب به سطراً ولا عرفت من الذي دونه.. ومن الذي أرسله... لكنه ظل يطاردني، وقف تحت مظلتي.. تواجهنا.. نظرنا في أعين بعضنا.. لم أعرفه ولم يعرفني لكنه فجأة مدّ سيفه ليقتلني.. فهربت.. بالأمس هربت.. واليوم أهرب.. ولكنه ما زال يتبعني.. لا أنا أستسلم ولا هو يتعب من مطاردتي.‏

...................................‏

المظلات الملونة واسعة كأنها سماء دامية.. خضراء أو مزهرة.. لكنها لا تحمي من الغرق.. ولا من سيل الأفكار المسننة.‏

أحيانا نحولها - المظلات - إلى لعبة تدور فوق أكفنا.. وقد تهبط فجأة وترتطم بأسمائنا.. لكنها فجأة تنفصل وتطير.. كما لو أنها منطاد من غيوم.. نتأملها وهي تعلو لكن سرعان ما تهبط وتصعقنا.‏

................................‏

لم يكن للمظلات دور في قريتنا.. كنا نحمل الحقول على ظهورنا وكانت تمطر.. وأحياناً تصير السماء مظلة لنا وهي تمطر.. وقد يصير البرق عصا تدلنا.. لكنها المظلات الحديثة دخلت البلاد.. صارت (موضة) وصرنا نظن أننا سنغرق من دونها.‏

لكنها المظلات الملونة الغاوية ..لا تنفع في الأعاصير ولا تحمي من كسوف الأيام المقبلة .‏

كأنما (مظلة أمي) هي خير المظلات.. تدور فوق رأسي كلما اشتدت الريح وعلا صوت الرعد‏

ودوّى المطر في قميص الأيام القادمة..‏

هي المظلات لا تحمي.. لكنها تزين لنا طريق الخيالات والأساطير المجنحة.‏

...................................‏

لا تحمينا المظلات.. لنحتمِ بقلوبنا..‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 أنيسة عبود
أنيسة عبود

القراءات: 82
القراءات: 112
القراءات: 168
القراءات: 156
القراءات: 173
القراءات: 314
القراءات: 208
القراءات: 254
القراءات: 260
القراءات: 258
القراءات: 328
القراءات: 363
القراءات: 323
القراءات: 361
القراءات: 385
القراءات: 455
القراءات: 414
القراءات: 403
القراءات: 432
القراءات: 446
القراءات: 460
القراءات: 556
القراءات: 497
القراءات: 569
القراءات: 484

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية