تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


شارعنا العربي

معاً على الطريق
الأريعاء 4-4-2018
أنيسة عبود

لا أقصد بالشارع العربي، شوارع المدن الضيقة الملتوية بين الحارات وتنتهي إلى ساحات صغيرة فيها حاويات قمامة يفور منها البرغش وتقفز منها القطط المتوحشة.

ولا أقصد أيضاً تلك الشوارع العريضة التي يصطف على جانبيها كبار حرامية البلد الذين نهبوا البلد فأثروا وعمّروا القصور وسيجوها بالأسوار العالية التي ما إن ينفتح بابها حتى تتدفق السيارات الفارهة والحراس الذين يحيطون بالمكان وهم يجّرون كلابهم الفريدة.‏

كما لا أقصد الشارع العربي المرصوف بحجارة التاريخ القديمة والتي مشى عليها الزمان واستراحت عليها ظلال الحكايات والأساطير التي صارت من نسيج حياتنا حتى غدت جزءاً لا يتجزأ من شخصيتنا العربية الفذة.‏

الشارع العربي الذي أتحدث عنه ليس محصوراً ببلد من البلدان العربية.. فكل الشوارع متشابهة، فيها مظلومون يتكئون على عصا الصمت وآخرون يستندون إلى جدار الخيبة.. وقليلون يحملون هموم نظافة الشارع الذي سيوصلهم إلى بيوتهم التي ستفصلهم هي الأخرى عن العالم الخارجي وعن ضجته.. وكأنهم يقولون (يارب بيتي)‏

وشوارعنا العزيزة مكتظة بمفردات متناقضة.. فيها أفكار تتطاير كالحمام الزاجل.. وفيها شجر مكسور لا يصل إلى الله، وحفر أبدية مملوءة بالأسرار، وبشر يمشون كأنهم خرجوا للتو من كهوفهم. وعندما ينفلشون في الضوء تظنهم بشراً حقيقيين، رؤوسهم معبأة بامرئ القيس. والمتنبي وأبي العلاء.. وصولاً إلى أبي القاسم الشابي الذي تغنّى بعزة البلاد وانتصار الحق على الباطل. فتشعر بالفخر تجاه شارع يسير نحو الضوء ويعرف أين توجد مطبّات التاريخ وكيف يمكن تجاوزها وعبورها. ولكن ما إن يعودوا إلى كهوفهم حتى يخلعوا عنهم ثوب الشمس وقصائد الفخر والكرامة ويغوصوا في عتمة التحجر والتخشب واستحضار الخرافة والأساطير التي نسجتها العقول الضيقة لتغطي اخضرار التأويل والمعرفة.. فيصير الرجل رجلان، أو عدة رجال في رجل واحد. رجل يرتدي الدين للوصول إلى غايته وآخر يرتدي الدين ليقتل وثالث يرتدي الحداثة نهاراً ويخلعها ليلاً وهكذا تتوزع أدوار الرجل.. كما تتوزع أدوار المرأة التي هي أساس ترتيب الشارع العربي والعقل العربي.‏

وشوارعنا العربية لا أحد ينكر فضلها على العالم في إيصال الخيالات والظلال والمعرفة.. لكن الذي راح مع الشارع راح ولم يعد. وكأننا لا نعرفه ولا يعرفنا.. لدرجة أننا نحتاج إلى من يبصّرنا ويعلمنا بأن هذا الشارع هو الذي أوصل الفلسفة والأدب والرياضيات إلى الآخر الذي كان يقبع في جهله.. فكيف تبدل الشارع وكيف تعرج وعاد إلى بداياته الأولى وإلى عرجونه القديم.. كأن ابن رشد لم يمش في عقولنا ولا ابن سينا درس في ديارنا ولا المتنبي ألقى قصائده في جيوبنا.‏

لكن.. من يشكل الشارع العربي اليوم..؟‏

من أي حجارة ومن أي ألوان؟ وكيف تتم هندسته ومن الذي يهندسه ويزينه حتى يخفي عيوبه وتعرجاته على الرغم من أن شوارع هذا الزمن تحتاج إلى تأسيس جديد وحجارة جديدة تتناسب والربيع الكاذب والعمامات الملونة بالدم والذقون الطويلة حتى الكعب.‏

للأسف.. يشترك في هندسة شارعنا اليوم مجموعة من مهندسي العصر الحديث، هم العمامة والقلنسوة والبترول والدولار والذقون وكتب التاريخ المزورة.. والغيبيات المتناقضة التي تستحضر السيف والدم والوأد فوراً.‏

وعلى الرغم من دخول الشارع في زمن العولمة وانكشاف المستور عن الكرة الأرضية وعن زنادقة هذا العصر وطغاتهم يستمر شارعنا بالعبور موصداً على نفسه، غارقاً في قناعاته القديمة لا يغيرها كتاب ولا قلم ولا رصاصة.‏

لذلك.. الشارع مستمر في العبور بينما الضوء يمشي إلى حتفه. والتاريخ يمضي إلى سيفه.. والبشر هم البشر.. لا يغيرون من عاداتهم ولا يبدلون من قناعاتهم.. وما زالت الخيمة هي ذاكرتهم وهي الوطن المبجل الذي يشدون الرحال نحوه. كأنهم لم يسمعوا بالأندلس ولا بالقادسية ولم يعرفوا شيئاً عن (العصملي اللعين) ولا عن سفر برلك القديم الجديد.. لكأن الشارع العربي لم يعد عنده وقت ليقف عند وعد بلفور أو يمر بفلسطين الجريحة. أو يتأمل برنار ليفي الصهيوني وماذا فعل أو يسمع شتائم ترامب للعرب وماذا ينوي، و .. وليس لديه وقت ليرتب ذاكرته وينظفها من فوضى الحقد والعناد والتخلف.‏

الشارع العربي..هو شارعنا الذي يصعب السير فيه ويصعب الهروب منه.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 أنيسة عبود
أنيسة عبود

القراءات: 75
القراءات: 107
القراءات: 164
القراءات: 152
القراءات: 167
القراءات: 311
القراءات: 203
القراءات: 251
القراءات: 257
القراءات: 256
القراءات: 325
القراءات: 360
القراءات: 322
القراءات: 360
القراءات: 385
القراءات: 454
القراءات: 409
القراءات: 399
القراءات: 428
القراءات: 443
القراءات: 455
القراءات: 553
القراءات: 492
القراءات: 565
القراءات: 481

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية