تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


الدوران في الحكاية

معاً على الطريق
الأربعاء 21-2-2018
أنيسة عبود

وأدور في المدينة..

أبحث عن شارع لم تهزه العاصفة.. وعن نافذة لم تقف طويلاً تنتظر تباشير الغائبين.‏

أين هم الآن بعد سبع سنوات من الدم والغياب؟ أين هي عناوينهم.. هواتفهم.. فواتيرهم؟.‏

وكأنني لا أبحث عنهم بل كنت أبحث عني وعنكم.‏

حتى الآن لا نصدق الحكاية.. الحكاية طويلة جداً بدأت من تحت نظارات الشيخ (الصياصنة) في درعا.. ومن غرف العمليات في الأردن إلى الحور العين المتواريات تحت عباءة الشيخ.. والقابضات على آبار النفط والرغبة والجنون.‏

الحكاية طويلة.. بدأت في حريق البوعزيزي... وسارت نحو النيل فجفّ ماؤه، ثم غرّبت إلى طبرق وتهزّ سيفها في وجه عمر المختار وتهدده بالقتل إذا ما قام من قبره مرة أخرى..هزت كلاب الغرب أذنابها وأخذت تعوي من بعيد.. بكى -الجزائري- وتحسر على أمة تسير إلى حتفها.‏

وكان الطوفان.. واشتعلت براكين الخراب.. من صياصنة إلى صيصان.. عم الهلع... وانكسرت القلوب.‏

وكان ياما كان.. شبان على مقاعد الدراسة صاروا في مقاعد الفراق.. والمدينة التي كانت تسهر حتى الصباح.. صارت تنام قبل هبوب المساء.. تغلق بابها وتطوي تحت رأسها خيبتها وتستسلم لحلم طويل لم ينته بعد.‏

سبع سنوات... والحلم لم ينته.. والحكاية لم تصل إلى خواتيم أبطالها.. ما زالت عصابات الخيال تتحرك.. وما زال وقود الكذبة يحترق.. لم تنضب الحكاية.. ولم نغلق النوافذ.. ما زلنا ننتظر.. وما زالت الأبواب تقفل على أفكارها.. سبع سنوات والأفكار تتوالد.. والحوريات يتناسلن من خلف جدران (البنتاغون)..لا يريد أحداً أن يمسك بالدليل القاطع أن السوري يدمر وطنه.. وأن الوطن يتحول إلى طبق حلوى تتناهبه حشرات الغرب والشرق.. بينما أطفال الوطن يتفرجون ويبكون على آبائهم الذين ذهبوا ولم يعودوا.‏

وأدور في الأسماء..‏

أسماء لا تشبهنا.. ووجوه لا تعرفنا.. وسكاكين تغزّ في ظهر البلد.. والبلد يقاوم.. والحوريات يتناسلن.. وجيوب الأمراء توزع اللؤلؤ لمن يذبح عمر المختار من جديد ولمن يجرّ يوسف العظمة في ساحات دمشق.. وللذين يجرون خيول رعاة البقر القادمين من مذابح الهنود الحمر ومن دمهم الذي ما زال يهدر منذ قرون طويلة في آذان البشرية.‏

والبشرية تدعي أنها وصلت إلى أكمل وأرقى حضارة.‏

القمر بين يدي الناس.. والأرض قرية صغيرة.. الكون مشمول برعاية الأقمار الصناعية.. وركائز الأوقيانوس عميقة في الذّرّة وفي الرؤوس النووية.. لا خوف على جينات العدل والحرية.. لن تتحول بعد الآن من جينات الإنسان إلى وحش أو سعدان.. لقد تجاوزت الإنسانية زمن هولاكو.. وابتعدت كثيراً عن قرود الصليبيين.. ومشانق العثمانيين والفرنسيين.. الزمن للحرية.. للعلم.. للكون الذي صار داخل بيوتنا.. نشير إليه فينزل ويسهر معنا.. أبداً لا خوف إلا من الشرق المسرف في عبودية التقليد والتمجيد.. ولكن الأم الحنون - أميركا - لن تترك بلداً بلا حرية.. ولا شعباً بلا حلم يوازي حلم تحرير العبيد.. وقتل الهنود الحمر والخضر.. أمنا أميركا أيها الشرق الراسخ في عشقه للتكرار وللغرب الجبار.. ستوزع علينا رعايتها وعنايتها.‏

ويجيء النباح من (الميدوزا هيلاري) لا تتركوا السلاح.. يا ثوار الحوريات والبترول.. يا باعة الأوطان والأمجاد.. تشبثوا.. بسيوفكم وحقدكم ووحشيتكم.. هيا علموا النساء الذبح والسلخ واهدموا الجوامع والكنائس.. واتّبعوا شيطان الغرب ووسوسة المال والنهب.‏

و.. خانتنا المخيلة.. نحن الذين قرأنا أسامة بن منقذ، وطارق بن زياد، وعقبة بن نافع وقتيبة بن مسلم وسيرة العظماء والنجباء والحكماء.. لم نصل بخيالنا أبداً إلى السنوات السبع العجاف.. كأننا في سبع ظلمات مطبقات على أبد لا يبدأ ولا ينتهي.. ثم ماذا بعد ذاك المحال.. أرواح مبعثرة.. وقلوب تئن من الضياع.. ووطن كان بيتاً لا كما يكون على الأرض بيت.. صار كهفاً تخفق على منعطفاته راية السبي والدماء.. فتأكدنا.. نحن أبناء الأبجدية.. إن جينات الحضارة قد تتحول إلى جينات شيطانية لا علاقة لها بكل الذي درسناه وحفظناه وقدسناه.. سبع سنوات، استطاعت تحويل مورثات البشر وتغيير صفاتهم وأشكالهم ولغتهم.. فهناك قوم تحولوا من بني الإنسان إلى بني (الشيطان) فصاروا مثل من يرتدي قناع إنسان وتحت القناع وحش له أنياب.. صار الكل يعتقد أن الذي أمامه صورة.. وأن الذي وراءه قناع.. اختلطت الأقنعة وضاعت الأصول والفروع.. جرى الموت في الحارات كما تجري السيول.. ضاعت الرحمة والرأفة ولم يعد بيتنا لنا ولا طريقنا لنا.. صرنا غرباء في أرضنا وصارت الضباع تلتهم عصافيرنا وتخرب قمحنا وتلوث ماءنا.. وصارت البلاد كأنها ليست بلادنا.‏

سبع سنوات.. الحكاية لم تنته بعد.. والبداية لا أحد يريد تذكرها.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 أنيسة عبود
أنيسة عبود

القراءات: 94
القراءات: 154
القراءات: 137
القراءات: 175
القراءات: 193
القراءات: 182
القراءات: 193
القراءات: 230
القراءات: 237
القراءات: 238
القراءات: 297
القراءات: 303
القراءات: 291
القراءات: 439
القراءات: 318
القراءات: 375
القراءات: 368
القراءات: 361
القراءات: 440
القراءات: 479
القراءات: 439
القراءات: 472
القراءات: 488
القراءات: 586
القراءات: 543

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية