تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


« الفاضح للعيوب..»

إضاءات
الجمعة 17-8-2018
لينا كيلاني

فضاء بلون السماء.. أزرق منفتح على جهات الدنيا الأربع.. لا يفرّق بين شرق وغرب، فصفحاته مشرعة لكل أهل الأرض.. يدعوهم للانضمام اليه فاتحاً لهم ذراعيه.. وما تخطه الأيدي على صفحاته لا حدود له.. إنه عالم ما سمي بالـ (فيس بوك)..

والأفكار كلها مطروحة لديه.. لا يعترض عليها، ولا يحجبها.. يشعرك بأنك لست سيد الموقف فقط بل سيد كل المواقف.. يحاول جاهداً أن يسعدك، وأن يعزز لك ثقتك بنفسك بأن هناك من ينتظرك ليسمعك، وينظر اليك، ويقرأ عباراتك ولو في الطرف الآخر من الدنيا.‏‏

فضاء كان الأجدر بمصممه، ومبتكره أن يصبغه بلون الدفء.. باللون الوردي.. لون الأحلام، أو الزهر الذي يتفتح على أغصان الأشجار المثمرة في مواسم الخصب.. أو أن يجعله باللون الذهبي لأنه يشع بالحياة من خلال تفاعل الناس مع بعضهم بعضا.. ولأنه ينقلك الى عالم حالم تمتد فيه يدك الى كل ما تشتهي، وترغب.. فإذا كنت تريد أن تتحدث فهو طوع أمرك.. وإن شئت أن تعرض صورك فهو رهن إشارتك.. وإن شئت أن تطلق كلماتك على أجنحة الإلكترون فهو خادمك المطيع.‏‏

إفعل ما شئت، وقل ما أردت.. لكن.. عليك أن تخلع عنك أميّتك الحضارية عند بابه، وقبل أن تدخل الى محرابه حتى تكون ضيفاً مرحباً به.. فللموقع شروط، وآداب للاستخدام منها ما هو معلن عنه، ومنها ما هو متروك لأخلاق الناس.. فمن أساء افتضح، ومن أحسن فاز. وكل أحد مسؤول عن كلمته التي يضعها على صفحته، وعن صورته التي تدل عليه، وعن مواقفه التي ينتمي اليها.‏‏

وعلينا ألا ننسى أننا وقبل أن نصول ونجول على صفحاته قد مهرنا انتسابنا الى ساحته بكلمة موافق، أي أننا موافقون على كل شروط الدخول اليه. وكأننا أصبحنا إذ دخلنا مجتمعاً واحداً.. مجتمع لابد أن بين أفراده انسجام في الفكر، أو في التوجه العام، أو في مجال العمل، أو الصداقة.. فكل أحد له حريته في أن يختار من يريد أن يضمه الى عالمه الصغير أي صفحته التي يضع عليها ما يشاء، وكيفما شاء.. وهي في المحصلة تعكس وجهه، تهذيبه أو سوء أخلاقه، وتعرّف به كأفضل ما يكون التعريف.‏‏

إلا أنه فضاح للعيوب.. وأخلاق الناس من خلاله تكون بين كفتي ميزان.. فهي التي تتحدث عنهم، إذ قد تنكشف حقيقتها بلحظة من خلاله.. فمنهم المدعي، ومنهم السفيه، ومنهم المهذب، ومنهم الراقي، الخ....، وكل صنوف البشر تجدها على هذا الموقع العجيب.. واللاوعي يكشف أيضاً شخصيات البشر في الغرور أو التواضع، في رجاحة العقول أو ضآلتها، في ضيق أفقها أو اتساعه، وفي علمها، وجهلها عندما نخدش الصفحات بأقلام رديئة لا تكتب لغتنا بحروف سليمة.. فمن فسدت لغته فسد فكره لأن اللغة هي ليست أداة تعبير فقط، بل هي أداة تفكير.. تتجدد من داخلها، وتنمو كما الشجرة الوارفة التي تضرب جذورها الثابتة في الأرض. وكأن هذا الموقع يختصر التجربة الإنسانية، والشخصية البشرية من خلال ما هو متاح لديه.‏‏

فكرة براقة أوقعت في أسرها نصف سكان الكرة الأرضية.. هكذا ترد الأفكار الخلاقة، وإذا ما وجدت مناخاً يساعد على تحقيقها فيدعمها، ويضع في سبيلها كل التسهيلات، ويحجب عنها كل المعوقات نمت وازدهرت، وهي تطور من نفسها باستمرار لتصبح مع مرور الزمن مؤسسة عملاقة، أو صناعة ضخمة، أو كياناً ما يعلن عن حضوره بقوة. وسواء اختلفنا مع فكرة هذا الموقع، أم قبلنا بها، أم كانت لنا مآخذ كبيرة وصغيرة عليه لابد أن نعترف أنه حقق نجاحاً غير مسبوق بغض النظر عما تطور من أهدافه، ومراميه البعيدة البريئة منها، والخبيثة.‏‏

لست ممن يتحمسون لمواقع التواصل الاجتماعي عموماً، ولا لهذا الموقع بالذات أيضاً، كما أنني لست في موقف رافض له في الوقت ذاته، مادامت له مزايا من انفتاح شعوب الأرض على بعضها بعضاً كما لم يكن متاحاً من قبل، وأنه سبيلنا للعثور على المفقودين من معارف، وصداقات قديمة، وربما من الأهل الذين انقطعت عنا أخبارهم وقصصهم، وغير ذلك مما هو متاح من خلاله.. لكنني أقف في المنطقة غير المحايدة من سبل الاستخدام لهذا الوسائل الممهور بالمعاصرة.. فلنطوعها لتخدمنا.. ولا نقع في أسرها لتستعبدنا، أو لتفضح عيوبنا.‏‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 لينا كيلاني
لينا كيلاني

القراءات: 155
القراءات: 184
القراءات: 225
القراءات: 322
القراءات: 517
القراءات: 292
القراءات: 346
القراءات: 411
القراءات: 414
القراءات: 377
القراءات: 493
القراءات: 431
القراءات: 510
القراءات: 583
القراءات: 544
القراءات: 627
القراءات: 621
القراءات: 619
القراءات: 698
القراءات: 750
القراءات: 691
القراءات: 799
القراءات: 842
القراءات: 819
القراءات: 777

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية