تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


حوار على شرفة

معاً على الطريق
الجمعة 17-8-2018
ديب علي حسن

تحت شجرة التوت التي تتوسط الحارة، وأحياناً أخرى تحت جارتها التينة التي شاخت الحكايا وهي تروى تحت ظلالها، وبقيت هي الشاهد على ما كان، تحت هاتين الشجرتين كانت دروس الكبار لنا و نتسمر، نسمع القصص والروايات التي تسرد عذابات الناس، كل ّ يروي حكاية ما من جرحه وألمه ومعاناته،

ينظرون إلينا بعين الحبور، وتطفق كلمات جميلة بحسرة ما: الله يحميكم، أيامكم أجمل من أيامنا، نيالكم، كل شيء عندكم، متوفر، جاهز ..‏

وينفض المجتمعون ونحن في حيرة من أمرنا : لماذا نيالنا، المدرسة تبعد عنا عشرات الكيلومترات، نذهب ونعود مشياً على الأقدام، لايعرفون معاناتنا، لايأبهون لنا، و لكن الجواب يكون في التالي بحكاية عن فلان الذي كان يمضي إلى مدرسته حافي القدمين، بلا حذاء، بلا ربع ثيابه، بلا وبلا ...‏

أمس قفز ذلك كله إلى ذهني وحفيدتاي ( المريمان ) تلهوان على الشرفة، مايا التي تبدو سلسة كنسمة تسمع جدتها تقول : لم نتحضر بعد لصنع المكدوس، فترد هي: (أي جدو أنا بدي أعمل مكدوس، وحط فيه بزر وبندورة، وبيكون طيب )‏

نعم، سيكون كذلك، تغرورق العينان بصمت مريب، بدمعة حيرى، ويطفح سؤال كبير كبير: هل سنقول لهم: إن ايامنا كانت أجمل من أيامكم، وأي غد ينتظركم، بل ينتظرنا ونحن نمضي إلى قارعة العمر ؟ ما الذي يجعلنا نحلم أن نعود القهقرى إلى سنوات وعقود، نريد أن نعود إلى الوراء، والعالم كله يقفز إلى الأمام، ما الذي يجعلك عندما ترى طفلاً بعمر الورد تشعر برهبة القادم، تتذكر حكايا الحرق والموت والقتل والتشنيع بالأطفال، تتذكر أطفال، لم يروا آباءهم، وتمضي في حيرتك : ما الذي يخبئه الغد لهؤلاء ؟‏

وتسأل: ها قد وضعت الحرب أوزارها، وإذا لم تكن قد انتهت تماماً، فهي ماضية إلى ذلك، فماذا أعددنا لأجيالنا القادمة، كيف نرسم لهم عوالم تضعهم على دروب الأمل و تزرع فيهم الخير والحب والعطاء . كيف نبلسم جراحهم، وكيف نلم شتات من ذهب منهم أدراج الريح ؟‏

على الشرفة مساء وحين تطل المريمان، أشعر أن الأفق كله اتسع حولي، أرحل بعيداً بخيالات شتى، واتذكر قول بدوي الجبل : ويا ربّ من اجل الطفولة وحدها أفض بركات السلم شرقاً ومغربا ......ويحضر سليمان العيسى الشاعر الذي ظل طفلاً وهو ابن الثمانين ونيف، نذرعمره لطفولة قادمة، لبراعم تجددنا، تغسل أدراننا، ذات يوم قلت له: سوف اصطحب معي ابني وزملاءه ، كانوا أطفالا، ومن عادة الشاعر رحمه الله أن يقف منتظراً ضيوفه أمام عتبة داره، وحين الوعد المحدد، كان شاعرنا الكبير يقف في الحديقة تحت ظل شجرة باسقة كان قد اطلق عليها اسم الرمح الأخضر: حين رآهم برفقتي عانقهم بحنان الأب، في استقبال هؤلاء الأطفال كان الشاعر خارج بيته بعشرات الأمتار، درس لم ولن أنساه ما حييت، وكانت الحفاوة بهم كبيرة، لهؤلاء الأطفال، ليومنا، لغدنا، لكل ما هو قادم، لا بد من شمس جديدة، لابد من عالم بلا حروب، وهذا محال، ولكن أليس من حقنا، بل من الواجب أن نرسم لأطفالنا دروباً خضراء، شرفات أكثر خضرة وبهاء .‏

كم هو مؤلم أن يردد أبناؤنا ذات يوم: لم تتركوا لنا وطناً، كانت أيامكم أفضل من أيامنا، وهل نقول كل الشموس من غيركم لا تشرق ..؟‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 ديب علي حسن
ديب علي حسن

القراءات: 91
القراءات: 154
القراءات: 147
القراءات: 181
القراءات: 136
القراءات: 237
القراءات: 232
القراءات: 251
القراءات: 215
القراءات: 326
القراءات: 505
القراءات: 379
القراءات: 409
القراءات: 337
القراءات: 439
القراءات: 378
القراءات: 472
القراءات: 391
القراءات: 400
القراءات: 520
القراءات: 557
القراءات: 320
القراءات: 578
القراءات: 543
القراءات: 844

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية