تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


الرائحة

معاً على الطريق
الأربعاء 11-7 -2018
أنيسة عبود

كانت تراقب المشهد وهي تشرب الشاي البارد.. وكان ابنها يرتب حقيبة السفر.

ادعت أن الأمر عادي جداً.. الولد كبر.. الولد يريد أن يسافر ويتابع طريق المستقبل المجهول.‏

حاولت أن توضح له أن الغربة (بنت كلب) وأن الغريب مجرد رقم لا أكثر خارج وطنه وأسرته.. لكنه ابتسم هازئاً من هذه الأفكار التقليدية التي حفظتها من والديها القديمين كشجرة بلوط لا أحد يعرف من زرعها وتابع ترتيب حقيبة السفر وهو يسترق النظر إلى زوايا المنزل. ..........................‏

في الحقيبة ثياب قليلة وحذاء رياضي لا أكثر.. قالت له خذ ثيابك المفضلة معك.‏

هزّ رأسه وقال (ثياب شو؟) أتعتبرين هذه الثياب الوطنية ثياباً؟.‏

غداً اشتري غيرها وكلها ماركات.. غداً أشتري الأحذية الجلدية الرسمية وليس أحذية البلد البلاستيكية.. غداً..‏

قامت وقالت (ماشي الحال.. يمكن كلامك صحيح)‏

تقطع صوتها إلى أحرف خافتة وهي تنظر بإشفاق لأنه لا يعرف معنى الغربة.. ولم يقع في التجربة بعد.. يظن أن الأبواب كلها ستفتح له.. وأن عالم الغربة عالم نقي لا غش فيه ولا احتيال.. عالم يشبه الأساطير التي قرأها في الحكايات الساحرة.. ولكنها موقنة بأنه سيغير رأيه بمجرد أن تخطو قدمه خارج مدرج الطائرة وينخرط مع وجوه غريبة ولغة غامضة وجغرافيا لا تشبه جغرافيا بلدته الصغيرة الضيقة على أسرارها، المتفتحة في غابة التقاليد والعادات الضاغطة حيناً والجميلة أحياناً.‏

همست الأم (ما رأيك أن تأخذ معك زجاجة ماء وسندويشة لبنة)؟‏

ضحك الولد بصوت عال.. وقال باستنكار وهو يطوي قميصه الأزرق (لبنة؟؟ سآكل همبرغر يا مموم..مش لبنة)‏

تنهدت الأم وهي تنهض بتثاقل وحزن.. همست لنفسها (كم هو غّرير وطيب..)‏

تمنت أن يلاقي أحلامه في الطريق.. ودعت إلى الله أن يكون حلمه صحيحاً حتى لو أكل البيتزا.. المهم أن يجد الهدوء والاستقرار.. مع ذلك غافلته ودست له صورته بين الثياب وهو طفل صغير مع أخته.. ثم عاجلته بقطفة من حبق الشرفة عله يشمّ راvئحة البلد.‏

أحزنتها - عبارة رائحة البلد.. فالبلد له رائحة البارود والأجساد المحترقة ورائحة الجوع والهجرة والسواطير العفنة. نظرت الأم إلى البعيد عبر نافذة تطل على شجرة زيزفون وهي تمسح دمعتها -هذه الرائحة هي التي ستبعد ولدي وهي التي ستعيده لها-‏

انتبه الشاب إلى أمه.. ارتجف قلبه من مرأى دموعها.. اقترب منها وراح يقبل يديها بحنو ويغمغم (سامحيني ماما.. الوقت قصير وأنا أخذت قراري بالرحيل).‏

همهمت وهي تمسح وجهها وتردد.. نعم الوقت قصير يا بني.. مع ذلك دمر البلد في هذا الوقت القصير، وما كان ناصعاً بالبياض صار رمادياً أو أسود بالكامل.. الألوان تغيرت.. والاتجاهات تغيرت.. وصوت الناس تغير.. صار لكل طبقة اجتماعية صوت جديد ولون جديد.. هذه الألوان ستضيع الطريق الذي يوصلنا إلى البلد.. تعب البلد من انتظارنا ونحن ما زلنا نوضب حقائبنا التي نحزم الوطن بها.. تلعثمت الأم وقالت وهي تشعر بطنين في أذنيها: لكن الوطن لا يريد الرحيل معكم.. يريدكم أن تبقوا أنتم ليبقى معكم.. قرون طويلة والوطن يسافر باحثاً عن نفسه.. الآن يريد أن يبقى.. ويريدكم أن تبقوا؟‏

قال الشاب (بلا رومانسية ماما.. كأن الوطن يعرف أن يحكي)‏

هزت رأسها ونهضت واقفة.. نعم الوطن يحكي.. يتوجع.. يبكي.. الوطن روح..هو يتقمصنا ويفكر بأفكارنا وأرواحنا.. الوطن ليس خريطة.. الوطن أنا وأنت والجيران والخبز المشروح المغمس بالزيت، ولفتة صبية في الشارع باحثة بعينيها عنك.‏

الوطن يا بني..‏

لم تكمل الأم حديثها.. لكنها بعد صمت عميق اتجهت إلى المطبخ لتحضر إفطار الصباح‏

مع الشاي بالنعنع والحامض.. كانت تتفرج على ابنها وتقرأ في ملامحه صورة وطن معذب جريح يهرب من وجعه إلى وجع جديد.‏

..........................‏

في أول اتصال للولد مع أمه قال.. سعيد بأني أراك وأسمعك - ماما - لكن للأسف لا أقدر أن أشم رائحتك.. ليت النت يوصل لنا رائحة الذين نحبهم.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 أنيسة عبود
أنيسة عبود

القراءات: 75
القراءات: 107
القراءات: 164
القراءات: 152
القراءات: 167
القراءات: 311
القراءات: 203
القراءات: 251
القراءات: 258
القراءات: 256
القراءات: 325
القراءات: 360
القراءات: 322
القراءات: 360
القراءات: 385
القراءات: 454
القراءات: 409
القراءات: 399
القراءات: 428
القراءات: 443
القراءات: 455
القراءات: 553
القراءات: 492
القراءات: 565
القراءات: 481

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية