تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


عادات جديدة

معاً على الطريق
الأربعاء 28-2-2018
أنيسة عبود

مع أن تغيير العادات أمر صعب ويحتاج إلى نضال طويل مع الزمن ومع التربية والتقاليد ومع الظروف الاجتماعية المحيطة.

وجلّ ما يسعى إليه المرء هو تغيير عادات اكتسبها ويراها غير مناسبة لانطلاقه في الحياة لأنها تعوقه. وبالتالي لا بد من اكتساب عادات أفضل منها تتناسب مع العصر الذي يعيشه، لكن نحن في المجتمعات العربية صعب جداً أن نتخلى عن عاداتنا.. وقد يكون التخلي عنها نوعاً من التمرد على المجتمع.‏‏

إذن لا بأس.. لقد تخليت عن عادات كثيرة في الفترة الأخيرة واكتسبت عادات بديلة لها.. فمثلاً أنا ما عدت أسمع فيروز صباحاً حيث كنت اعتبر أن فيروز تجمِّل الصباح وتجعله ملوناً كحديقة غنّاء.. فصرت أسمع نشرة الأخبار قبل فنجان القهوة.. وبعد فنجان القهوة أسمع الأخبار.. ثم أتابع ما تكتبه مواقع التواصل أثناء الوظيفة.. وأتشاجر مع المدير إذا فكر أن يقطع شبكة الانترنت عن المكتب بحجة أنها تعطل الموظفين عن عملهم.. وما إن أعود إلى المنزل حتى أركض إلى التلفاز وأبحث عن قنوات الأخبار بحيث أتنقل فيها من خبر إلى خبر.. فيتأخر موعد الغداء ويبدأ عويل الأسرة (جعنا) ولكني لا أسمع شيئاً فأنا منهمكة بمعرفة أين وقعت القذائف، وفي أي الأحياء.. وعندما أرى بعض المشاهد المؤلمة أبدأ بالبكاء وأنا أشتم أميركا وإسرائيل والخونة.. ثم أضع الطعام.. وبين اللقمة والأخرى أغص ولا أستطيع إكمال الغداء حتى أسترق السمع إلى الأخبار من جديد.‏‏

ومع أن الأخبار هي ذاتها منذ الصباح حتى المساء... لا جديد إلا بعض الأشرطة العاجلة... إلا أني صرت مثل (كل السوريين) نفطر أخباراً ونتغدى أخباراً وقبل أن ننام نأكل وجبة من الأخبار الدسمة والقراءات المكررة.. ثم ننام وفي أعيننا صور الأطفال والحارات والشهداء الذين لا ذنب لهم سوى أنهم باقون في سورية لا يريدون بلداً آخر سواها.‏‏

لكن موضوع هذه العادة التي استحكمت عندي، أراها عند جيراني أيضاً وعند أصدقائي.. لدرجة أننا نندهش عندما نرى صوت الموسيقا يخرج من شرفة أحد البيوت.. أو عندما نرى من يجدد ديكور بيته وحديقته فنتحسر لأن الدنيا فانية ولن نأخذ منها شيئاً.. حتى رئيس أكبر دولة - ترامب - الذي يسطو على خيرات العالم.. ويرتدي عقود اللؤلؤ والألماس الخليجي.. ويقتل ملايين الأبرياء ليملأ سيارته بالنفط، لن يأخذ معه شيئاً سوى دم أطفال السوريين واليمنيين الذي سيكون شاهداً على وحشيته.. وهكذا تعودنا الزهد بكل شيء.. والصبر على كل شيء وبات الحزن من طقوسنا اليومية والأخبار هي العادة المستمرة التي لا ننوي تغييرها مع أننا كسبناها مجدداً بفضل - الربيع العربي الصهيوني - وبفضل ارتفاع نسبة العمالة والخيانة في دم بعض السوريين .فصار لزاماً علينا تتبع خطهم البياني، هل سيقف عند بني صهيون أم سيمشي ويخرب طويلاً في الأرض حتى يصل إلى (جزر الواق الواق ويقطع أطرافاً ورقاباً ممن حان (قطافها؟).‏‏

أيضاً من العادات المكتسبة الجديدة أننا نسينا شيئاً اسمه الفرح.. أو شيئاً اسمه الطموح.. كلنا قانعون.. كلنا صامتون.. لا نحب ضجيج الكلام.. ولا نعمل كثيراً لتبرئة أرواحنا من الشائعات الهدامة.. لا نجادل تاجراً غشنا.. ولا نعترض على سلعة ناقصة الوزن ولا نعير اهتماماً لسرقة جيوبنا.. كلنا اعتدنا أن نقول (ماشي الحال) مع أن الحال - مش ماشي - الفساد يملأ الدنيا والمزيفون يملؤون المقاعد الأمامية.. والنّصابون يبيعوننا الحكمة.. والدجالون يزايدون على الصابرين.. فاختلط الحابل بالنابل ولم نعد نفرق بين الأصيل وبين المزيف.. تماماً.. كما يحدث عندما نسمع الأخبار وعندما نغوص في التحليل والتأويل.. مع ذلك نعود من جديد.. كأن -الأيام ليست توالي ولا نداولها بين الناس - فنصنع القهوة ونحملها إلى التلفاز باحثين عن قنوات الأخبار مرة أخرى .. هذه قناة كاذبة.. وتلك قناة غبية وهذا الخبر صحيح.. ويبدأ التكرار لدرجة أننا نسمع الخبر عشرات المرات ولمدة يومين وأكثر فتمتلئ رؤوسنا بأصوات متنافرة وصور متناقضة.. وحكايات لا نعرف من ألفها ولا من كتبها.. الشيء الوحيد الذي نعرفه أننا نأكل الأخبار وننام على وسائد محشوة بالأخبار ونبكي على سوريتنا ونقول كان زمان.‏‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 أنيسة عبود
أنيسة عبود

القراءات: 75
القراءات: 107
القراءات: 164
القراءات: 153
القراءات: 167
القراءات: 312
القراءات: 203
القراءات: 251
القراءات: 258
القراءات: 256
القراءات: 325
القراءات: 360
القراءات: 322
القراءات: 360
القراءات: 385
القراءات: 454
القراءات: 409
القراءات: 399
القراءات: 428
القراءات: 443
القراءات: 455
القراءات: 553
القراءات: 492
القراءات: 565
القراءات: 481

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية