تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


حسرة المقارنة

معاً على الطريق
الأربعاء 25-4-2018
أنيسة عبود

من الطبيعي أن تحضر الأوطان في القلب كلما ابتعدنا عنها.

وكأننا لا نقدر أن نلمسها إلا حين نسافر.. ولا نكتشفها إلا بعد امتداد المسافات بيننا.. فتصير حلماً بهياً ..ويصير الكون كله مجرد نقاط مضيئة تلمع في منعطفات ذاكرة تتفتح فجأة على وجوه وأمكنة وأحلام بعيدة.‏

ولعل القول الذي يؤكد أن – ما تملكه اليد تزهده النفس– ليس بعيداً عن الحقيقة.. فبمجرد أن ترتفع بنا الطائرة نشعر بالحنين للوطن ولسمائه وأشجاره وناسه.. وتنتابنا موجة تحسّر على حفنة تراب لم نحملها من الوطن لنرشها على عتبات الغربة .. ويزداد هذا الأسى كلما ابتعدنا ونحن نعبر سماء البلاد فنشعر أننا انفصلنا عن رحم الأم الذي كان يمنحنا الأمان والسلام والأمل .. مع أن هذا الأمل كان حقيقة قبل لحظات وكان بين أيدينا قبل أن نتركه يرفرف بعيد اً ويصير سراباً .‏

لكن ..الغربة تجدد المرء وتزيد من فرصة اكتشاف العالم والبشر والمعارف الإنسانية.. ولولا ذلك ما قال الإمام عليّ ( عليه السلام ) اغترب تتجدد .‏

وعلى الرغم من شراسة الغربة لأنها – تضيع الأصل وتحوّل المرء إلى رقم يمشي في شارع لا يربطه فيه سوى الطريق الذي يوصل إلى هدف ما.. مع ذلك يجد المرء نفسه في حالة مقارنة دائمة بين وطنه الأصلي وبين الوطن الذي يزوره.. وكم كانت المقارنة جارحة وصادمة , مع الاكتشاف الذي كان غائباً ومع التجدد الذي لم يكن له مكان أبداً في فسحة الحياة المتعبة.‏

إن المواطن السوري الذي يعيش خارج سوريا الآن وفي هذه الفترة من الحرب الطاحنة والقاسية لا يمكنه أبداً أن يشارك السوريين أوجاعهم إلا بمشاعر آنية سريعة .ولا يستطيع بأي حال من الأحوال تخيل العذاب والأسى ومشقة الحياة بكل اتجاهاتها الاقتصادية والعلمية والسياسية في سوريا.. قد يشارك في الصمت للحظات.. وفي البكاء لأيام ..وفي الجوع لساعات.. لكنه لن يعرف أبداً كيف تنقطع الكهرباء لساعات طويلة تعطل الحياة تماماً ..ولا يدرك حجم هول مرور قوافل شبان شهداء لم يتجاوزوا عمر الورد ..والمغترب ..مع كل وطنيته وإحساسه العالي بالانتماء .لا تسمح له الغربة بالمشاركة في لمس خراب مدن وخراب معامل ومدارس ومزارع وجوامع كانت عامرة. وليس غير السوري المقيم في البلد يعرف كيف هي اللوحة الحقيقية للبشر المعفرين بالجوع والحاجة وأصوات الرصاص والقتل والدم .‏

قد يحزن المغترب .ولكن الذي يرى غير الذي يسمع ..والذي يكون في قلب المعمعة غير الذي يكون على أطرافها.. وليس قطع الرؤوس ونحر البطون في واقع الأمر كما في واقع الصورة.. لهذا السبب.. وبما أني بعيدة عن وطني لأيام قليلة أؤكد للجميع أن الذي يعيش خارج سوريا لا يحزّ روحه الوجع مثل القابعين في الوطن الجريح .ولن يدرك أبداً حجم المعاناة التي لم تفارقنا منذ سبع سنوات ونيف ..وكم أخاف أن تطول السنوات ..ويخلق جيل من السوريين خارج البلاد لا يعرف شيئاً عن تاريخه سوى ما تكتبه الأقلام الصفراء والقصور الشامخة .‏

وعود على بدء.. الغربة تجعلك تعرف وطنك أكثر ..وتعرف نفسك أكثر.. لكن البعد جعل فئة كبيرة من السوريين المغتربين الذين يبحثون عن وطن بديل ينغمسون في همومهم الشخصية وفي معاناتهم الفردية ويزيحون أنين الشوق بعيداً عن قلوبهم حتى لا يتعثروا ويسقطوا في جغرافيا الضياع من جديد.. وهؤلاء عندما تحدثهم عن الوطن وآلامه وما يفعله سلاح الغلاء بالبلد إضافة لسلاح القتل والتدمير والغش , يتألمون ولكن سرعان ما يرجونك أن تكف عن حديث الأوجاع لأن قلوبهم المغتربة لا تتحمل كل هذا البؤس الداخلي والخارجي .‏

معهم حق ..ونحن الذين نعيش في البلد معنا كل الحق أن نصرخ وأن نشكو وأن نتساءل من أين للبعض كل هذا.. ومن أين لنا كل هذا البؤس..؟ وخاصة أن الحرب مزقتنا وفرقتنا وخربت قيمنا ..وما السلع التي في سوريا سوى سلع مغشوشة , مزيفة , بدءاً بالأدوية وانتهاء بالخبز والسكر والملح؟ فلماذا لم تجمعنا المصيبة ؟ولم يلمّ شملنا الألم..؟‏

لماذا ..وكيف ننتهي من المقارنة بين الماضي والحاضر وبين بلادنا وبلدان أخرى، كنا نحن نصدر لها العلم والمعرفة والعقول الخبيرة ؟‏

نعم.. الغربة تجدد.. لكن تكشف لنا مآسينا وتضعنا في المقارنة فنخسر ونتحسر على حالنا .‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 أنيسة عبود
أنيسة عبود

القراءات: 86
القراءات: 144
القراءات: 136
القراءات: 170
القراءات: 185
القراءات: 177
القراءات: 189
القراءات: 227
القراءات: 233
القراءات: 235
القراءات: 291
القراءات: 294
القراءات: 287
القراءات: 437
القراءات: 315
القراءات: 370
القراءات: 364
القراءات: 355
القراءات: 434
القراءات: 474
القراءات: 434
القراءات: 467
القراءات: 487
القراءات: 581
القراءات: 537

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية