تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


منعرجات الشوق

معاً على الطريق
الأربعاء 18-7 -2018
أنيسة عبود

تهاوت الجدران كلها في ذاكرتي..

حائط الجيران.. سور مدرستي القديمة، جدار السرايا العتيق.. وحدها بقيت ياسمينة النافذة التي رأيتك فيها ذات صيف بعيد، تطلق أزهارها البيضاء فأشم عطرها، كأنما أشم رائحة وطن عائد من سفر بعيد.‏

............................................‏

البلدان التي نحبها لا نشتاق إليها لأنها جميلة.. أو لأن جدرانها ملونة.. وليس لأن شوارعها مرصوفة بالزحمة حيناً وبالحفر أحياناً.‏

بل لأن فيها أحبة هم مرتكز الهوية وهم مرتكز الأسماء وبدايات التشكل ونهايات الخبر.‏

............................................‏

البلدان التي نحبها لا تشيخ أبداً.. إنها الوجه الآخر للحبيب.. إنها وجوهنا.‏

البلدان التي نحبها.. تظل أبوابها تنفتح أمام الذاكرة ويظل - درابزون شرفاتها يشع تحت وهج الحنين.‏

ودائماً نشتاق أن نرى الغيم يسقط على أسطحها ليكتب المطر رسالة العشق الأولى.‏

تذوب الرسائل.. ويذوب الكلام وتبقى منعرجات الشوق.‏

............................................‏

حين نمر بالمدن التي نحبها‏

نمرّ على رؤوس أصابع القلب..‏

نخاف أن نفتت حجارة الذكريات.. ونحزن إذا ما مرت الريح العاتية وغيرت ترتيب خطوات الطفولة التي اندرجت في أيامنا.. لا نريد الثبات ولا الجمود إلا في المدن التي نحبها لأنها تعيدنا إلى ذاتنا القديمة التي ضاعت في زحمة الحياة.‏

............................................‏

كلما اشتقت لأمي أمرّ بالدروب التي كانت تمشيها‏

وكلما اشتقت لأبي أذهب إلى الكروم التي زرعها.. أراه يقطف العنب.. وأرى أمي (تسطح التين) أشم رائحة الحقول العطشى وأرنو إلى زمن كان هنا ومضى.. فيتوقف جريان الوقت للحظات.. وتتحجر آهة على أصابعي.‏

............................................‏

لم يكن للتغيير هذا الأثر الموجع على حروفنا.. ولا كان للتجديد دهشة الألم.‏

لكنها الحرب اللعينة..الحرب التي تسمرت أحلامنا في وجهها كما صفائح الزرد المعدني.. نريد أن يبقى كل شيء على حاله حتى ولو كان هشاً لأننا نريد أن تبقى البلاد التي نحبها حتى نبقى على صورتها التي لا تفتتها الحروب ولا طول السنين.‏

والصورة؟؟ نحن نرسمها.. نحن نلونها..لا تمد يدك أيها الغريب وتضع اللمسات التي لا تشبهنا‏

دع كل الألوان في مكانها.. حتى أصفر الخريف نحتاجه.. وحتى أسود الحزن نحتاجه أيضاً.‏

............................................‏

الصور القديمة التي تحولت بتحولات البشر لم تعد تخصنا، وهذا يوجع الذاكرة.‏

الصور القديمة لا تعني أنها مقدسة.. ولكن نحن الذين كنا مقدسين كما المزارات.. حولتنا الحرب إلى مجرمين وضحايا.. وأجبرتنا الحرب على أن تسلم الضحية على المجرم وأن تعتذر له حتى يقبل سلامها.. حولتنا الحرب إلى صامتين عن الحق.. فتحولت الصورة وكزت الذكريات على أرواحنا.‏

............................................‏

لم نعد نحن.. نحن..‏

صرنا غيرنا وغيرنا صار الغريب.. غرباء كلنا في بلاد غريبة.. فمن ينقذ ضفافنا من هجرة لا تنتهي ومن جسور رمت أشلاءها في أعماقنا.. نحن لسنا نحن.. ولسنا غيرنا.. والبلاد التي كانت تعرفنا بتنا نركض خلفها ونناديها باسمها فلا ترد ولا تلتفت.. كأننا جرحنا تاريخها وجرحنا الورد الذي يرش عطره على أكفها.. كأننا لم نقرأ وصاياها ولا بكينا مرة في حضنها.. كأننا الأبناء العاقون.. يا لعقوق أبنائها.. هي البلاد التي تحبنا.. ونحن الذين نحب غيرها.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 أنيسة عبود
أنيسة عبود

القراءات: 89
القراءات: 151
القراءات: 136
القراءات: 174
القراءات: 191
القراءات: 178
القراءات: 193
القراءات: 228
القراءات: 236
القراءات: 236
القراءات: 295
القراءات: 300
القراءات: 290
القراءات: 437
القراءات: 318
القراءات: 374
القراءات: 367
القراءات: 360
القراءات: 437
القراءات: 476
القراءات: 435
القراءات: 468
القراءات: 488
القراءات: 582
القراءات: 540

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية