تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


مفصل هلسنكي

معاً على الطريق
الخميس 19-7 -2018
علي نصر الله

هل طَوَت قمة هلسنكي مرحلة وافتتحت أخرى؟ أم أنها ليست أكثر من مفصل سياسي مهم في تاريخ علاقات خَصمين دَوليين، أحدهما ومن جانب واحد لا يريد أن يعترف بالآخر ولا بنديته فضلاً عن حقه ومصالحه وموقعه ودوره؟.

تُعد قمة هلسنكي حَدثاً مُهماً حتى لو لم تؤد نتائجها لتغييرات جوهرية انتظرها كثيرون ممن يُقيمون في معسكر واشنطن، وممن راهنوا طويلاً على قدرتها بتحقيق ما توهموه، وربما يُمثل الوهم المُتبدد هذا أحدَ وجوه الأهمية التي انطوت عليها القمة لجهة وجوب قيام هذه الأطراف بتفقّد مكان وقوفها تأسيساً على مُخرجات القمة بما حملته من خيبات لها، وبما ستفرضه عليها من استحقاقات.‏

الأمرُ شديد التعقيد، فأي قراءة مُتأنية للقمة المُزدحمة مائدتها بالعناوين الإشكالية والملفات الشائكة، لا يمكن لها أن تنتهي إلى وضع تصورات واضحة للمسارات التي يمكن التّحرك عليها بأقل مقدار من الانزياحات أو المفاجآت التي قد تنسف كل شيء في لحظة واحدة، ذلك أن وُجهات النظر مُتباعدة إن لم تكن مُتناقضة مُتصادمة بأغلب الموضوعات المطروحة.‏

المصالحُ تَحكُم، هذا صحيحٌ، وقد تكون أحد أهم حوامل السياسة، وواحدة من المُوجبات الأكثر أهمية لناحية إجراء تغيير بالسياسة من عدمه، لكن الخلاف يتجاوز المصالح، ويبدو أعمق بكثير من كل المُحددات الأخرى المُتصلة بمحكات العمل فضلاً عن علاقته بالقيم والمبادئ التي يَزدريها الجانب الأميركي، بل يَدوسها من دون أن يَرف له جفن!.‏

على ماذا يختلف الجانبان الروسي والأميركي؟ إنّ الإجابة وحدها كافية لإظهار عمق المشكلة التي تُشكل التحدي الأكبر للعالم، للمجتمع الدولي، للنظام الذي جرى التوافق على تشكيله بمُسمى الأمم المتحدة، وإذا كانت روسيا ومجموعة من الدول تتصدى، فهذا لا يعني أنها المَعنية بهذا التحدي أو أن واجب الإصلاح والتصويب يقع على عاتقها وحدها دولة أو مجموعة من الدول، إنه الواجب الذي يقع على عاتق العالم مُجتمعاً.‏

من هذه الزاوية ينبغي أن يُنظر إلى هلسنكي على أنها مفصل تاريخي مهم ليس للولايات المتحدة وروسيا فقط بل للعالم المُنقسم لينظر بجدية ومسؤولية مَرّة بانقسامه، ولتُبادر الشعوب والحكومات للوقوف على أسباب الانقسام ومُحاكمتها بنمط تفكير مُختلف من خارج الصندوق ومن دون عُقد أو تحنيط للآخر بقوالب مُسبقة الصنع، ذلك أن جميع الأمور باتت مكشوفة لا تحتاج إلا للبصيرة السليمة والحدود الدنيا من الالتزام الأخلاقي ليتم اكتشاف الحقيقة الصادمة: السياسات الأميركية شريرة، بل إن إداراتها هي الشر المُطلق!.‏

هلسنكي حاجة أميركية، ورغم معرفة المسؤولين في واشنطن، بمراكز صنع القرار ومواقع النفوذ، في الدولة العميقة وباللوبيات التي تُوجه تُراقب وتُقرّع كحكومة ظل، رغم معرفة هذه الجَوقات أن دوافع هلسنكي الأساسية بهذه اللحظة التاريخية هي الحاجة الأميركية لروسيا، إلا أن توزيعاً قذراً للأدوار جرى بينها، ووصل ببعضها حدود تخوين ترامب! ما القصد من ذلك؟ حفظ خط الرجعة؟ أم تسويغ الانقلاب لاحقاً على تفاهمات جرت في لحظة ضعف وحاجة؟.‏

أميركا بكل المُكونات التي تُخطط وتُدير، وبلا استثناءات سواء كانت الإدارة ديمقراطية أم جمهورية، ترى أن على العالم الخضوع لها والقبول بشرها وشرورها من دون أدنى حق بالاعتراض.‏

يجب على العالم أن يبقى أسير الدولار، وعليه أن يقبل بحصانة الجنرالات الأميركيين فلا تطالهم قوانين الجنائية الدولية ولا غيرها من محاكم مُختصة، بل عليه الإقرار أيضاً بحصانة الجنرالات الإسرائيليين مُجرمي الحرب بامتياز!.‏

على العالم الالتحاق بأميركا في كل أمر، فإذا استثمرت بالإرهاب، خياره الوحيد مساعدتها بالانخراط الكامل، وإذا قررت عزل أو مُعاقبة أحد عليه أن يمتثل، وإذا .. وإذا .. وهي تقوم بكل ما سبق وترتكب جميع المُوبقات، فلماذا على العالم أن يَقبل، ولا يُقبَل منه حتى أن يكتفي بالصمت أو الحياد؟!‏

هلسنكي قد تكون المفصل للتغيير، لكن فقط في حال امتلك العالم إرادة وشجاعة قول: لا لمُوبقات أميركا، وفقط بحال اقترن القول بالفعل.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 علي نصر الله
علي نصر الله

القراءات: 87
القراءات: 137
القراءات: 290
القراءات: 231
القراءات: 317
القراءات: 328
القراءات: 335
القراءات: 408
القراءات: 384
القراءات: 470
القراءات: 481
القراءات: 417
القراءات: 345
القراءات: 341
القراءات: 406
القراءات: 478
القراءات: 378
القراءات: 419
القراءات: 455
القراءات: 449
القراءات: 447
القراءات: 446
القراءات: 472
القراءات: 527
القراءات: 522
القراءات: 479

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية