تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


انتماء

معاً على الطريق
الجمعة 6-7-2018
ديب علي حسن

في عصر المتغيرات التي تعصف بكل شيء جميل , يبدو أن الاقتلاع من الجذور والهوية والمكان , بل ومن الزمان , هي صفات وسمات هذا الجنون الذي على ما يبدو انتقل من البشر إلى البقر ,

فأعادته قطعان المواشي إلى من صدره إليها شاكرة مع بطاقة تقول :لسنا إلى هذه الدرجة من غريزة القطيع , صحيح أننا بقر , لكن شيئا من الثبات على الأرض والانتماء إلى فصيلتنا يجعلنا نبتعد عن جنونكم هذا ..‏

ولايظنن أحد ما أن الأمر قد يكون تخيلا , فما اكثر قصص الوفاء والانتماء التي سمعناها , وقرأنا عنها عند الحيوانات حتى تلك المتوحشة منها , عندما تفتك بأم جراء صغيرة تعمل على تربية الصغار حتى تكبر وتنطلق وتواجه مصيرها , وكم من دابة بيعت واقتيدت إلى مناطق نائية , لكن الحنين إلى حيث ولدت وتربت , وأكلت من علفه دفعها إلى العودة مسافات ومسافات حتى تصل إلى مرباها الأول ...لن نسرد هذه الحكايا فهي حاضرة في كل زمان ومكان , وحافلة بها كتب التاريخ والنوادر ...‏

فما باله الإنسان وحيدا بين قطعان تعيش على الأرض يشذ عن المألوف , ويغدر بمكانه وأرضه ووطنه , ويذهب بعيدا في التنكر لكل القيم والانتماءات الجميلة التي يجب أن تكون معه وله ..؟‏

وكما قصص الانتماء والوفاء عند قطعان البهائم لا تعد ولا تحصى , كذلك هي قصص الغدر والخيانة والتنكر للجميل , للارض , للوطن , للخبز والماء , لنسمات الهواء , لوطنك الذي أعطاك كل شيء , لتراب ما بخل عليك بخيره , ولسماء هلت غيومها بوافر المطر , فإذا بك ناكر لكل جميل ؟‏

قد يقول قائل : هذا دأب الإنسان منذ أن كان على هذه الأرض , قد يكون هذا صحيحا , ولكنها كانت حالات عابرة , لا تشكل تاريخا ولا منعطفا , ولا ظاهرة , لكنها الآن صارت كذلك , لان ثمة عدوا يعمل عليها , يدفع بها يبحث عمن لا تمتد جذوره عميقا في تراب وطنه , بين أهليه , عند من لايعرف إلا أن يكون تابعا , لم يذق في يوم من الأيام طعم أن يكون سيدا حرا في بيته , ارضه , حقله, عمله , صلاته وعبادته , لايعرف إلا الحنين إلى عبودية طالما حن إليها , ومن قرأ حنينه هذا دفع به إلى أزقتها وكهوفها, زينها لها على أنها الحرية والاستقلالية , وهو لايعرف أنه مربوط بحبل قد يطول قليلا , لكنه ممسوك جيدا , ما إن يحاول تجاوز حدوده ولو لنصف متر حتى يشد وبعنف وقسوة .‏

هذه الفلسفة البراغماتية التي لا تعرف إلا المال والربح , ليست عابرة , بل هي صناعة أميركية تدر المليارات على من سوقها ودفع بها , وهو عمليا متصالح مع نفسه , ومع ما يؤمن به , والدليل على ذلك ترامب كرئيس للولايات المتحدة الأميركية , اليس متصالحا مع ما ينتمي إليه من عالم المال والربح والثراء , عالم أن تربح وتربح , ولاشيء سوى الربح , لايهم من أينما كان وكيفما حصل , الغاية الربح , وتحصيل المليارات .....‏

فلسفة لم تفرض بقوة السلاح في هذا العصر , إنما من خلال الثغرات التي وجدت في أوطاننا , مجتمعاتنا , بيننا , اهملناها , وجاء من يجعلها أكثر اتساعا واستعان بمن كان يعيش بلا جذور , وحصل ما حصل , في هذا العصف القيمي نحو كل ما هو زائف يبدو الانتماء سر الاسرار, وقدس الأقداس لأنه يعني انتماءك لبيتك , لقيمك , لأرضك لوطنك , لكل ما هو جميل ونبيل , ,وإذا لم نكن قادرين على تخصيبه من جديد فالقادم أخطر, وما جرى مجرد العاب نارية أمام ما يعد لنا , ربحنا جولات من المعركة , لكن الحرب مستمرة,وأخطر ما فيها أن نبقى حيث كنا نبني الحجر وننسى البشر.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 ديب علي حسن
ديب علي حسن

القراءات: 156
القراءات: 138
القراءات: 201
القراءات: 182
القراءات: 223
القراءات: 161
القراءات: 281
القراءات: 270
القراءات: 292
القراءات: 227
القراءات: 363
القراءات: 541
القراءات: 418
القراءات: 447
القراءات: 357
القراءات: 476
القراءات: 417
القراءات: 508
القراءات: 423
القراءات: 439
القراءات: 555
القراءات: 595
القراءات: 339
القراءات: 618
القراءات: 578

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية