تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


بركان الصمت

إضاءات
الخميس 6-9-2018
شهناز فاكوش

لا يغرنكم صمتي وابتسامتي المرسومة، فجوفي بركان حممه مستعرة، يرشق ناره على الورق، قبل أن تلتهمه أزرار الحاسوب الذي فقد معظم صلاحيته،

كما قلبي المكلوم. الورق صديقي الحميم، رفيق طفولتي، وفيٌّ مع قلمي؛ أنيس لياليَّ، أليف فِكَري.‏

النار التي تخرج مع زفير رئتاي قادرة أن تشعل غاباتٍ وبيادر مكتنزة، أحطتهم بحدائق من زهر، وثمر شجرٍ أَمَلْتُ أن يكون لهم صدقة جارية، بنيت حوض الماء ورويت بالتنقيط ــ كانت تكره هدر الماءــ لتقاومَ زروعهم الحرَّ فلا ينال القيظ منها.‏

كنت أتجه نحو البيت في دمشق، لكن الشمس لم تكن لتغرب؛ إلا وأنا بجوارهم أودِعْهُم السلام من قلبي المنشطر بينهما، لم يبق ولن يصير للأيام طعم بعدكم.. أنا مثل أم نعيم وأم الفوز وأم بيان وأم خالد.. وتمر الأسماء أمامي قوافل من الثكالى..‏

لو رصفت أسماء الشهداء وفق أعمارهم؛ لكانت النافذة الذهبية لهم هي ذات النافذة التي كانت هدفاً لعملي أشهراً، مع كوكبة رائعة من خبراء الوطن، لوضع استراتيجية وطنية للشباب نصل من خلالها بهم لحالة الرضا.. مستبشرين بمستقبل باهر للوطن.‏

مكيدة الحرب ملأت برائحة الموت أجواءنا قسراً، أخذت بأبنائنا.. وأوقفت أحلاماً، واغتالت أخرى.. اختلست أسباب الحياة.. ناهبةً أماني وإبداعات جيل آمن بأكمله، حرمتني من تعشق تربهم، ولثم شواهد احتضنت أسماءهم وتواريخ ميلادهم والغياب.‏

ما زالت سلسلة مفاتيحها لا تغادر حقيبتي، تحمل لعبة هشة كبيرة، دُهِشْتُ لها في يدها، قالت كي لا أبحث طويلاً بين أقلامي وألواني، عندما أدس يدي فيها لأفتح الباب تعبة، ترى للجنة مفاتيح.. هل للشهداء حاجة لها لفتح أبوابها.. أم هي مشرعة.‏

ما زلت أترنح تحت وطأة الفجأة الفاجعة رغم الثماني من السنين.. التي أثقلت أيامي وقصمت ظهري.. اغتالت قلبي وقلب ابنتي المتوجع، نخرت كبدي.. كما كبد الناقة الأسطورة لما نحروا ولدها أمامها، وعند نحرها أذهلهم كبدها المنخور كالغربال.‏

كانت إحاطة الأحبة والأصدقاء والرفاق والمعارف، سياجاً من طيب المشاعر، عطراً من فوح الكلام، وامتصاصاً لبعض الألم في عناق صادق، الصاعقة كانت هولاً مثل جبلٍ تَحدَّرَ بقسوة؛ ليقتنص أياماً هي من البارئ هدية لعباده، ليالي القدر من رمضان.‏

أهي عتق من النار كما وعد الخالق، أم مرجل يغلي انزلق فيه قلبي وقلب ابنتي البكر لتكابد مثلي الأسى والألم، بات الثوب يحرق الجلد ويخترق العظم فيوهنه، حتى ليكاد يترك ندباً تزداد توجعاً مع الزمن. لكن عطاء الله يخفف ألم الفجيعة، لا يمحوها..‏

خديعة القدر الكبرى أنت أيها الموت، تأتي بلا معاد؛ موهماً بأيام عيد سعيدة.. وإذ بالدنيا تصطبغ بالسواد.. لتغيب الشمس قبل معادها، ويأفل القمر أول السطوع، ويهطل المطر في غير تقويمه.. تغادر الزهور أعناقها أول تفتحها.. يغيب عطرها..‏

تبات الثكالى فوق الثرى، والقلوب تبيت مذعنةً في آخر منازل الدنيا إلى زمن الخلود يتكافل الموت مع التوحش.. في صفقة أشبه بصفقة القرن.. لينال من البيوت الآمنة، ومن هدأة الوطن، من قدَّاحٍ في طور النضوج، يحل السراب فلا يروي العطاشى..‏

السنديان وحده كان أقوى من الإعصار.. متحدياً مُعْلِيَ الصوت.. علينا أن نصلب طولنا، ونلتف حول جيشنا العربي السوري.. ليحقق انتصارات تكفل حق أبنائنا، وللشباب الباقي حياة كريمة.. ليبقى القرار الوطني مستقلاً، والسيادة هي السيدة أبداً..‏

يبقى الصمود سيد الموقف، مع تلاشي أحلام بني صهيون في قهرنا وتحقيق مآربهم. الوئام السياسي والثقافي كان أشبه بذاك الذي أحاطني وقت الفجيعة، وكما الموت البغيض سرى في ربوع الوطن، واغتيال الأخلاق والقيم هدفاً لهم تحقق في بعض مناحيه مع القوة الغاشمة، صارت الشهادة والوعي والقوة الجمعية السد المنيع الحامي.‏

كما الصبر الذي تطاول ليحتوي المحنة، ويزمزم انتشارها.. ليبقى البعيد إلى جانب الرحم، في القلب والكبد المهترئين شعوراً.. تطاول المنطوق الأخلاقي؛ ليرد كلّ إلى أصله.. ملامح عالم متجدد متنوع الثقافات، تحميه القيم المتجذرة ترسم سورية اليوم.‏

في مواجهة القهر والموت والتجويع، والتشريد والذبح والتفجير والتهجير، والضغط السياسي والتهديد بالكرت الأحمر الكيماوي (ذريعة المهزوم) والحظر الاقتصادي والحرب التي أصبحت سافرة بلا استحياء، تبقى الوحدة الوطنية الفيصل وسر النصر.‏

اتسعت مساحة الوعي والإدراك؛ والتفهم الدقيق لمجريات ما يحدث.. تتكشف للمغيب الحقيقة من وراء الحجب وستائر الضلالة والعتمة.. جيل يثلج الصدر ويوحي للوطن بمستقبل أفضل، ليكون امتداد من أعطوا بلا حساب، غداً تكتمل الثمان.. وإلى؟؟؟.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية