تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


من مكتبة الفضاء... «رجل السماء الأوَّل» ...«العقـول.. ساحاتٌ لحـربِ المســتقبل»

ثقافة
الجمعة 31-8 -2018
هفاف ميهوب

«نحن الآن شيطنة القيم، العدم، المجهول، اللاشيء.. شيطنة شيطنتنا.. نحن صنَّاع الأعداء.. نعادي كلَّ شيءٍ ولاشيء.. إن لم نستطع عداءً نعادي أنفسنا، وإن انعدمت أنفسنا، حتماً فسنعادي أنفسنا من خيال»..

إنه ماتوصلَ إليهِ كُثر من المتأملين لما يحصل في هذا الزمن الذي تشوهت فيه الحياة فتمادت في إظهار بشاعتها.. ماتوصَّل إليه أيضاً الطبيب والكاتب الروائي اليمني «مجدي صالح» الذي وجد بأنَّ هكذا زمن يحتاج إلى رجالٍ يحملون قضايا بلدانهم ويرسمون مستقبلها ويخططون لخلاصها.. رجالٌ، كـ «رجل السماء الأول» القائد المخلص والمؤمن بأنَّ على الإنسان أن يواجه عدوه ويقاومه، وصولاً إلى تضحيته ونيلهُ الشهادة التي هي ولمن يجيدُ قراءة الكرامة جيداً، مضمون رسالته.‏

نعم، هذا ماتوصل إليه أديبٌ لابدَّ أن يشعرُ كل من يقرأ روايته، بأنها تحكي عن وطنه، مجتمعه، واقعه، زمنه. الزمن الذي وجده أشبه بمولودٍ مشوّه، جاء إلى الدنيا وهو يحمل «الحقد والكره والانتقام ورغبة الموت وكره الجمال» وبشهادةِ ميلادٍ «الانحطاط والرخصِ والمكر».. الزمن القبيح في معركته التي هي:‏

«معركة حربية استُخدمت فيها جميع أسلحة الكلام ذي الدمار الشامل، فتبخّر علماء شتى العلوم الإنسانية والثقافية والفنية.. معركة بين الزمن الجميل والزمن القبيح.. النحس.. نجسُ التاريخ..»..‏

حتماً، لايعني هذا بأننا أمام رواية أو رسالةٍ تاريخية، بل أمام وقائع أهداها الكاتب «إلى كلِّ عقلٍ يُفكر ويرتقي» في مجتمعات متأزِّمة إنسانياً وأخلاقياً ونفسياً واجتماعياً وثقافياً ودينياً وسياسياً واقتصادياً...‏

مجتمعاتٌ، غرق الإنسان فيها في البطالة والفقر والمرض والتخلف والجهل والمخدرات والعنف والعمالة والاقتتالات الطائفية. الأخطر، تجارة الأعضاء واغتيال الأدمغة، وانتشار المواقع والمنظمات والقنوات الدينية المُنظَّمة لغسيلِ عقولِ الشبابِ، وتحويلهم إلى مفخخات إرهابية.‏

غرق أيضاً، في فسادٍ من شدّة ما استشرى، أشعرنا بما شعر به «صالح» تجاه الفساد الذي بات فساداً كبيراً وفساداً صغيراً.. الفساد الصغير أخطر على الوطن لأن الكبير ينهب خزينته أما الصغير، فينهبُ قيماً وأخلاقاً ومستقبل مجتمعٍ لأجيالٍ قادمة..‏

كل هذا، عبر أحداثٍ أطلقها الكاتب من حيٍّ شعبيٍّ متخلف وجاهل وموبوء. حي «الصفيح» الذي هو رمزٌ لكلِّ حيٍ ومنطقة وقرية ومدينة. بل لكلِّ وطن من أوطاننا التي قدّم فيها الوصوليون والجشعون والفاسدون وتجار الأزمات والمتأسلمون، بلادهم للاحتلال وعقولها للاغتيال.. قدموا، كل ما أدى إلى «شيطنة المجتمعات» وتشرذمها مابينَ الحقد والتعصب الأعمى، والاقتتال الذي أفنى الإنسان ولم يفن.‏

الاقتتال، الذي خلقَ كلّ من ذكرناهم له مبرِّراً «ديني أو طائفي أو مذهبي، أو حتى قانوني أو شرعي، وكل طرف موعود بالجنة، وبأن له علاقة متميزة مع الله».‏

بالتأكيد هو مايحدث في أوطاننا ومجتمعاتنا وذواتنا، وهو مايحتاج إلى الإيمان بأن: «أن تعمل خادماً للوطن، أمرٌ يتطلّب التضحية من أجلِ نيلِ شرف الموت في سبيله، فهناك من يموت من أجلِ أن يعيش المواطن، وهناك من يموت من أجلِ أن يموتُ المواطن، وهناك من يعيش ليموت المواطن».‏

آمن بذلك «رجل السماء الأول» وكُثرٌ ممن أبوا مغادرة وطنهم خلال أزمته، ولأنهم يرون بأنه: «أمانة ولايجب أن نتركه ونرحل، وإن رحلنا ستبقى الحسرة تطاردنا، ولن نجد وطناً بديلاً عنه حتى ولو ملكنا الأرض وماعليها.. الوطن حليب أم، وإن أرضعتك مربية لها حق الطاعة كالأم بالتبني لكن، البطن التي أنجبتك تبقى مقدسة».‏

رأوا ذلك، لأنهم أبناء تاريخ يريدون له العيش في بيوتٍ من العقلانية الإنسانية.. تاريخٌ يُشيّد من العقلِ أفكاراً تقوم على الإيمان بالأوطان.. تاريخ لا كهذا التاريخ الذي يسكن في: «يسكنُ التاريخ في بيتٍ بناه الإنسان من العبث والكراهية. كلّ مساءٍ وعلى ضوءِ الظلام. يجلسُ حائراً على كرسي الدموع وطاولة الألم.. كلّما دوّن كلمة من يومياتنا تنهَّد، وكلّما دوَّن حدثاً تأفَّف، وإذ انتهى من التدوين ينظر إلى نفسه، فيرى شخصاً غريباً مكانه».‏

هذا مايفعله التاريخ في حاضرٍ لم يعد الصراع فيه لأجلِ قضية، ومع عدو خارجي، فقد أصبح عربي-عربي.. داخلي-داخلي، وبسبب غياب القيم العلمية لدى الإنسان المتدين والعاجز عن الارتقاء بتطلعاته، والنتيجة:‏

«استحضار الماضي ومحاولة العودة إلى المجتمع الصحراوي البدائي، تحت حكم يناسب قبيلة ومجموعة قبائل متجاورة»..‏

هكذا بات الصراع الذي يرى «صالح» بأنه لن يكون بإمكاننا الخلاص من تبعاته إلا بتطويرِ مفهوم العلمنة، وجعلِ العلم وفي كلِّ مجالاته، مستوطناً في العقل، وقادراً على:‏

«استثارة وتحفيز الكتلة العلمية في عقول حامليها، ليصيروا أدوات فعالة في المجتمع كلّ حسب اختصاصه، وعدم السماح للمتطفلين على المهن العلمية والأدبية، بالتلصُّص لا باسمِ الدين ولا القبيلة».‏

كل ذلك وأكثر، قرأناه في «رجل السماء الأول» حيث رسالةِ روائي أبى ورغم يقينه بأن لاأحد سينصت إلى رسالته التحذيرية، إلا الإلحاح في تحذيره، وبأكثر من مكان، وعلى لسان أغلب شخصيات روايته الواقعية. الشخصيات التي كان أكثر من عُني بمستقبلها ووطنها، رجل السماء الذي خاطب مجموعته الوطنية السرّية:‏

«توسعت رقعة المؤامرات والتدخلات الخارجية لاقتتالنا واحتلالنا مباشرة أو بأبناء هذا الوطن، وللأسف بواسطة أشخاص حاضرين من زمان، منهم من غيّر جلد وطنيَّته وآخرون ظهروا حديثاً في أرضنا، وهم من أبناء الوطن. نحن في زمنٍ مرعب ويتطلب اليقظة والرد الافتراضي. نحن في زمن المعلومات المجمَّعة ومواقع التواصل وعالم الفضائيات المؤثرة والمؤدية إلى إضعاف الذاكرة الوطنية والتاريخية والاجتماعية والثقافية.. حربُ المستقبل ساحاتها العقول»..‏

نكتفي بما رأيناه الأهم في رسالةٍ ماقدمها «صالح» وهو تفاد لمستقبلٍ أكثر سواداً.. مستقبل يحتاج إلى تماسك ضد أي انهيار وسواء كان واقعياً أو افتراضياً. وكي لا نصل إلى ما وصلنا إليه من نتائج دموية، وإلى اختلاف: «الدين مع مذهبه، والمذهب مع فروعه، والحزب مع منافسيه، والدولة مع شقيقتها، والشرق مع الغرب، والشمال مع الجنوب، والمدينة والمديرية والحارة والأسرة والفرد مع بعضهم البعض....‏

تلك فجوات عبرَ أجسادِ الأحياءِ إلى عالمِ الموت، وفي مجتمعاتٍ عربية قرَّرت الاختلاف».‏

***‏

بطاقة تعريف‏

«مجدي صالح» طبيب وروائي وباحث تاريخي يمني. درس طب الأسنان في جامعة «باجي مختار-عنابة» في الجزائر.. اتَّجه إلى الكتابة بعد مارآه من بشاعة الحروب والاقتتالات والأفكار المظلمة، وكل ماسعى لمواجهته بترسيخ الفكر المستنير الذي يقوم على بناء الإنسان والعقل.‏

من أعماله: رواية «بلا عنوان».. «رجل السماء الأول-ج1».. وقيد الطباعة «رجل السماء الأول-ج 2» و«رحلة الأسرار المدفونة».‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية