تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


« وهدأت العاصفة..»

ثقافة
الجمعة 31-8 -2018
ليندا إبراهيم

لا يرتاحُ إلى مجده الأدبي ، ولا يتعب من الكتابة، فهوكما قال عن نفسه: «كاتب الكفاح والفرح الإنسانيين»..

هوالذي لبس سواراً من «ملح البحر..» ورصعه ب «عقيق عرقه» وبدأ يكتب للمسحوقين البؤساء الفقراء المشردين المعذبين في الأرض وبأوطانهم ومجتمعاتهم ، بريشة من مداد أجاج ، فلقد أدرك أن أقرب وأوضح طريق للفرح هو طريق الكفاح والتعب والتعاسة مع هؤلاء المحبوبين الأقرب إلى الله..‏

مهاجراً من اللواء السليب.. عشية الحرب ، وهو ابن الثمانية أعوام ، حيث دخل أولى المدارس الابتدائية حاصلا على أعلى شهادة تعليمية في حياته «السرتفيكا» آنذاك ، ليكمل شهادته الأعلى والأكثر فخراً في الحياة على مدى تسعة عقود ونيف ، ولتختزن طفولته بذور رواية «المستنقع» الذي عاشه بحق ، تلك الطفولة البائسة المدقعة في الفقر.. وليعمل لاحقا حمالاً وعتالاً وحلاقاً وبحاراً والأهم: عاشقاً..‏

إنَّه ربان الرواية العربية ، وملاح أمواجها التي أذعنت لجبروت صبره ودأبه وتفانيه..‏

لينتهي ليس كمثل عجوز «همنغواي» ، بل بصيد وفير لأجيال وأجيال من الثقافة العربية والعالمية ، مخلداً اسمه تمثالاً من صبر ، ورقيماً من ملح على أرواح كلِّ من عشق أدبه وقلمه..‏

كادحٌ في الأدب حتى يتعب التعب.. عاش أواخر سني حياته على مجد رواياته وهي تملأ رفوف المكتبات العامة والخاصة في كل بيت عربي..‏

وكبحار شيخٍ عجوز ، طوى شراعه ، ورقد رقدته الأبدية ، بعد أن تعب بنفسج روحه ، فقرر أن يستريح من عطره ومن لونه ، وأغفى وملء جفونه «قمران من سهدٍ.. وراحْ..»‏

تعب من الحياة ، وغضب من تباطؤ الموت إليه ، فأهدى رحلة شقائه في أربعين رواية وكتاباً ، غلفت بيد خبير خبر الحياة وطبعت بطابع رجل وهب عمره الحافل للكفاح والعرق والملح والبحر..‏

هو مدوِّن الكفاح ملاحمَ من حياة السُّوريِّين الأشقياء الأنبياء ، وغازل الفرح الموشى بـ «بقايا صور» غدت من بعده لوحات في متحف الزَّمان الخالد..‏

كثمرة معمِّرة صوِّحت قبل أيلول وسقطت أوائل آب الشرقي ، شأنه شأن الكبار الخالدين «البدوي»، «درويش»، «العيسى» ، «القاسم».. وكثيرين...، لفَّ ما أبقت السِّنون من جسده بورق خريف عتيق ومضى إلى جسد التَّراب ، بينما روحُهُ ارتقت إلى جعبة الزَّمان حيث تتهاطل مع كل غيمة ، وتشهق لها أناث الزمان..‏

هل قلت «أنثى»؟.. بلى.. ومن عرف الأنثى مثله ، ومن شعر بها مثله ، ومن انتصر لها كما فعل ؟.. «أريد أنثى أخضع عند قدميها.. أين هي؟» هذا ما بقي يبحث عنه طوال روحه المديدة بالشوق والألم والعناء والشقاء..‏

ومضى «الطَّروسيُّ» ، «فياض»، زوربا الرواية العربية..‏

ملفعاً بكفنٍ من زبد اللاذقية ، «مربوطاً بسلك خفي إلى الغوطة ، ومشدوداً بقلادة ياسمين إلى ليالي دمشق الصيفية الفاتنة، وحارساً مؤتمناً على جبل قاسيون ، ومغرماً متيّماً ببردى ، عاشقاً للشآميات وفيروز...».‏

حنا مينة لروحك السَّلام..‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية