تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


واشـنطن على مسـرح الكــوريتين والخيارات المحدودة

دراسات
الأربعاء 2-5-2018
حسن حسن

نحو إنجاز السلام وإعادة التوحيد في خطوة متقدمة ووسط ترحيب دولي التقى زعيما كورية الشمالية والجنوبية كيم جون أون ومون جاي وتعهدا بالعمل على تخليص شبه الجزيرة الكورية من الأسلحة النووية.

كما اتفق الطرفان على الدفع باتجاه تحويل الهدنة التي أنهت الحرب الكورية عام 1953 إلى معاهدة سلام هذا العام. وفي حركة حملت دلالة رمزية كبيرة تصافح الرئيسان على خط الحدود في المنطقة المنزوعة السلاح.‏

مما لا شك فيه أن الأزمة الكورية قد مثلت ملمحاً مهماً من ملامح عدم الاستقرار السياسي في منطقة جنوب آسيا. ولعل الأحداث التي شهدتها السنوات الخمس الأخيرة قد رسمت هذا الملمح بدءاً بأزمة البرنامج النووي السري لكوريا الشمالية رغم توقيع الاتفاق النووي في جنيف في تشرين أول عام 1994 وانتهاء بالأزمة التي أثيرت بإعلان بيونغ يانغ استعدادها لإجراء تجربة إطلاق صاروخ بالستي بعيد المدى تتعدى خطورته تهديد أمن المنطقة إلى مناطق أخرى في العالم بما فيها أراضي الولايات المتحدة ذاتها.‏

لا شك أن الدور الأميركي في الأزمة الكورية دور مهم للغاية فهو الحليف الرئيسي لكوريا الجنوبية حتى أن مطبخ السياسة الخارجية لسيول يبدو في معظم الأحيان وكأن طهاته أميركيون.‏

ولكن بقدر سعي الولايات المتحدة إلى مساندة حليفتها بقدر ما ترغب في تحقيق مصالحها، خاصة وأنها تفضل ألا تكون مجبرة في المستقبل للدخول في صراع غير محدود في هذه المنطقة التجارية المهمة.‏

وإذا كانت الرؤية الأميركية ولا سيما في عهد الرئيس الحالي دونالد ترامب قد تبلورت في اختيار الضغوط الاقتصادية كبديل عن الخيار العسكري أو المفاوضات الثنائية أو الثلاثية، فإن هذا الخيار يعكس من ناحية ازدواجية المعايير الأميركية.. كما يعكس من ناحية أخرى الثقل الذي تمثله القوى الإقليمية سواء على صعيد شبه الجزيرة الكورية أو منطقة شمال شرق آسيا ككل.‏

فمن المتفق عليه أن كوريا الجنوبية بصفة أساسية، تليها اليابان ثم الصين وإلى حد ما روسيا، لا ترغب في اندلاع مواجهة عسكرية في المنطقة لما تعنيه من دمار وخسائر بشرية تتجاوز بكثير ما يمكن أن تتعرض له الولايات المتحدة أو قواتها في كوريا الجنوبية، خاصة بعد قرار إعادة انتشارها بعيداً عن خط المواجهة مع كوريا الشمالية كما أن الصين لن تحبذ بأي حال من الأحوال أن يحدث سباق تسلح في المنطقة بين كوريا الشمالية من ناحية والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان من ناحية أخرى، وهو ما تشير إليه التحركات الأخيرة من جانب الدول الثلاث في مجال دعم قدراتها العسكرية، ومن هنا انضمت إلى كوريا الجنوبية واليابان في مجال دعم الحل السلمي عبر المفاوضات إلا أن نطاق المفاوضات ظل متوقفاً بصفة أساسية على بيونغ يانغ التي ارتضت أن تكون ثلاثية بمشاركة الصين لكنها لم تحسم بصورة قاطعة إمكانية مشاركة كوريا الجنوبية واليابان. ويمثل هذان العاملان عنصران أساسيان في صياغة موقف الأطراف الإقليمية إزاء إمكانية حل الأزمة النووية الخاصة بكوريا الشمالية، ومن ثم تحديد مسار المعالجة الأميركية للأزمة النووية. ولا شك أن ارتباط الأوضاع الاقتصادية في شبه الجزيرة الكورية بصفة خاصة ومنطقة شرق آسيا بصفة عامة، بدرجة التوتر والمواجهة بين بيونغ يانغ وواشنطن يمثل عامل ضغط آخر.. يمكن أن يقلل من فعالية استخدام الضغوط الاقتصادية على كوريا الشمالية حتى ولو كان في صورة ملاحقة السفن والطائرات التابعة لها.‏

ومن هنا تبدو أهمية المقولة بأن الاقتصاديات الصناعية المتقدمة في هذه المنطقة من العالم أصبحت رهينة لدى كوريا الشمالية.. التي تسعى إلى توفير الحد الأدنى من احتياجات شعبها من الغذاء والطاقة ولو في نطاق حماية الجدار النووي الذي يتيح لها فرصاً تفاوضية أفضل، أو يشكل رادعاً نووياً أمام الولايات المتحدة المتمركزة بقواتها في كوريا الجنوبية وترفض التوقيع على معاهدة عدم اعتداء معها، ومن ثم يتيح لـ (بيونغ يانغ) فرصة الاطمئنان إلى عدم تعرضها لتهديدات خارجية، بل إنها استندت إلى المبررات الاقتصادية في مجال دعم قدراتها العسكرية والنووية.‏

وبذلك ينضم العامل الاقتصادي إلى العاملين السابقين في تحديد مجالات الحركة الأميركية إزاء الأزمة النووية الخاصة بكوريا الشمالية، والتي جعلت هذه الحركة أقرب إلى الإبحار في بحور عاصفة، ولو بدت الصورة المباشرة غير ذلك.‏

فالحقائق المجردة تشير إلى تعاظم القدرة على المناورة والتحدي من جانب كوريا الشمالية في مواجهة الولايات المتحدة وهي لا تستند إلى قدراتها النووية المتعاظمة فحسب، بل تستند أيضاً وبدرجة متوازية على قوة تضامن الأطراف الإقليمية إزاء رفض الحل العسكري وحتى العقوبات الاقتصادية، ولو بدت لهجة الحديث أكثر تشدداً إزاء مطالبة بيونغ يانغ بالتخلي عن برنامجها النووي.‏

ومن المؤكد أن الأوضاع الدولية المتوترة والتنافس بين الولايات المتحدة والصين، والخلاف الأميركي الروسي في أكثر من ملف، والعداء الأيديولوجي الذي كان قائماً على خلفيات استعمارية، له الأثر الكبير في التوتر الذي ينسحب على العلاقات بين الكوريتين، بحيث أصبحت كلتا الجزيرتين نقطة التوتر التي تختزل من خلالها جميع الخلافات ومظاهرها العملية والميدانية. وعليه فقد أصبح أي عمل عسكري أو مناورات أو دعايات إعلامية بمنزلة الاستفزاز المتبادل الذي يستجلب رد فعل يتمثل من خلال عرض متبادل للقوة، في ما يشبه استعداداً وشيكاً لحرب مقبلة.‏

وفي ظل احتدام الملفات الملتهبة في الشرق الأوسط، من سورية إلى اليمن ففلسطين والبحرين، وما تمثل هذه الملفات من حالات خلاف دولية، تصطف فيها القوى الكبرى والإقليمية في تحالفات صارمة وصلبة حفاظاً على مصالحها وحضورها الحيوي‏

والاستراتيجي في أكثر مناطق العالم غنى بالثروات ومنابع الغاز، يبدو أن الكوريتين كانتا مسرحاً لحالات فعل ورد فعل يعكسان واقع الانقسام الدولي بمحاوره الجديدة وصراعاته وتنافسه العسكري بأبعاد اقتصادية واضحة.‏

وأخيراً.. يبقى تقاسم المصالح وتوزيعها هو الذي يحكم العلاقات الدولية ويجعل الأفرقاء المعنيين من القوى الكبرى حريصين على عدم اندلاع شرارة الحروب في أي نقطة ملتهبة من العالم، ذلك أن هذه القوى المسيطرة تدرك جيداً أن مفاعيل أي حرب قد تقع، يصبح من الصعب لجمها، وقد يخرج عن السيطرة مع احتدامها بين أفرقاء الصراع، بحيث تورط الجهة التي تشعلها، وتؤدي إلى المزيد من الخسائر والنتائج غير المتوقعة على أكثر من صعيد.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية