تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


رأي.. الأدب (الهلامي).. عجـز مبدعيــن أم موقـف مخاتـل..؟

ثقافة
الأربعاء 14-3-2018
ديب علي حسن

في عصر التحولات الكبرى وحرب المصير، لا مندوحة من الحديث بصوت عال، وعال جدا، مهما كانت النتائج التي تترتب على ذلك، فلا عذر لأحد لم يغمس حبره بموقف هو من الوطن وللوطن ومن أجل الحياة وكبريائها،

وعنفوانها، هذا ليس تنظيرا في الأدب وتاريخه، إنما حقيقة عبر التاريخ، منذ أن كان الانسان المنتج للفكر، للشعر، للقصة، للرواية، بل لأي لون من ألوان الإبداع.‏

‏‏

لن نذهب بعيدا، التاريخ الثقافي والإبداعي القريب أو البعيد يقدم أمثلة مباشرة وواضحة لقدرة الادب أن يكون فاعلا وللأديب أن يكون بين الناس ومعهم، ابن الحياة ونبضها ولونها، من تاريخ المقاومة العالمية ضد النازية والفاشية، وما انتجه الأدباء الروس من روائع خالدة ستبقى درة الدرر في النتاج العالمي..‏‏

وحتى في الأدب الغربي المسمى الواقعية التسجيلية أو النقدية فيما بعد لم يكن الكاتب خارج فعل الحياة والقدرة على قراءتها ومن ثم يكون الموقف..‏‏

الغريب في الكثير من كتابنا ومبدعينا (إن صحت تسميتهم بذلك) الآن وفي هذا الزمن الحرج، حيث قطعان وذئاب العالم كله تشن هجمتها على سورية الوطن والحضارة, ومع ذلك ثمة حبر بارد، باهت، لا طعم ولا لون له إلا فيما ندر، كتابه من وراء مقاه، ومن تحت الفيء والوجه الحسن، وفنجان قهوة، كما لو أنهم من أبطال مواقع التواصل الاجتماعي، يصولون ويجولون حيث هم، بطولات على الورق، فيأتي النتاج غثا باردا لا طعم ولا لون ولا رائحة، سبع سنوات من العدوان على سورية، حسب حدود علمي ومتابعتي لم أسمع أن اديبا سوريا واحدا ممن يتغنون ببطولات، قد زار موقعا واحدا ولو كان على بعد عشرة أمتار من حيث يرتع هو وعنده كل مغريات وملذات الحياة اليومية..‏‏

لم يكن رشاد ابو شاور مخطئا حين صرخ بهذه الحقيقة من على شاشة الفضائية السورية، وكنا قبل ذلك بفترة طويلة قد أشرنا هنا إلى ان من لم يكتب اليوم فلن يكتب فيما بعد، ولكن ما نفع الكتابة التي تعيش لساعات لأنها بلا روح إلا روح الحبر البارد الذي كتبت به...‏‏

لن نطالبهم بحمل بندقية، وهذا واجب على الجميع، ولكن على الأقل أن يكون النبض قريبا من ورد الدم السوري وهناك قرب منازلهم، مواقعهم, من حيث يعبرون ولنعش التجربة، كيف تكتب عن بطولات ولم تذق لحظة صدق منها، الأمر ليس صعبا، ولا هو بالمعجزة، مئات الصحفيين شهداء من أجل الكلمة والموقف، هل هؤلاء من خارج الكوكب أم ان دمهم غير دمنا، أم بالسؤال الأكثر مباشرة وفجاجة: هل الوطن لهم وحدهم وعاشوا مغانمه وأنتم خارجه..؟‏‏

السؤال المر الذي لا أجد له جوابا: كيف في يوم من الايام وحين تضع الحرب أوزارها سندرس انعكاس ما جرى على الأدب والفكر...؟‏‏

نصوص من منكم سنختار، هل سنقول لهم إذا امتلكنا الجرأة: كلهم كانوا وراء الجبل حين تقرر المصير, لكنهم وقت الغنائم غزلان في المسير إلى القطاف؟؟‏‏

التاريخ سيروي أن قصصا وحكايا سورية هي الملاحم بحد ذاتها، ابعد وأنضر وأعمق من أي ملحمة قرأناها، ولكن العجز الأدبي،أو ربما ضحالة من يدعون أنهم أدباء كانت سيدة الموقف...‏‏

لن ننكرأن ثمة أعمالا أدبية مهمة صدرت، ومن محاسن هذه الحرب الكاشفة أنها عرت الجميع ممن يجب تعريتهم في مجالات شتى، ومنها مجال الثقافة والفكر والأدب،ودفعت بجيل من الكتاب ممن لانعرفهم، لم نطبل لهم وقدموا حبرهم معطرا بالدم، صدر أكثر من عمل أدبي لكتاب شقوا الدرب الى المشهد وهم يحملون البندقية يقاتلون في الصف الأول، أعرف بعضهم شخصيا،وأتابع آخرين..‏‏

ربا كانت الدراما الأكثر صدقا من الأدب، وأكثر قربا من النبض الحياتي, استطاعت أن تفعل شيئا، أن تقول، أن تستلهم واقع الحياة،في مشهد الخراب الفكري والثقافي (نعم إن الأدب كان مسؤولا، أعني الأديب، سابقا ولاحقا، سابقا بما نقله من هلاميات صفق لها وجعلها عنواناً لشيء اسمه ما بعد الحداثة، حيث اللغة المائعة والبلاهة والفجاجة، واليوم بما هو عليه من حبر بارد سقيم...)‏‏

عمر فاخوري الكاتب والناقد المعروف منذ عام 1942م حذر في كتابه (لاهوادة) من مثل هذه الحيادية الباردة التي لا تثمر إلا السقم، وهل نذكر بنبض نجيب محفوظ فيما أبدعه، وبشعراء وكتاب دفعوا حيواتهم ثمنا،هل هذا اللون من الأدب المخاتل المحايد إن كان أدبا يصح، عليه القول إنه محاولة للنجومية، كوليت الخوري في كتابها ذكريات المستقبل تفرد مساحات واسعة لتعرية مثل هذا الحبر, وهجمة الكثيرين ليكونوا كتابا ومبدعين، يغادرون مواقع كانت لهم ليطلوا على ميدان الأدب من باب المذكرات وغير ذلك، فهل هذا جزء من المشهد, او سببا له...؟‏‏

d.hasan09@gmail.com ‏‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية