تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


رأي.. فصام الفعل الثقافي.. عجز أم هروب؟

ثقافة
الأربعاء 20-6-2018
ديب علي حسن

المثقفون ضحايا أفكارهم , كما يقرر علي حرب , ضحاياها لأنهم يرونها حقيقة تجاهلها , أو الخروج منها , وبالتالي ينطلقون من هذا الركن نحو ما يسعون إليه,

ولكن إذا كانت هذه المقولة صحيحة , وهي كذلك فإن أول ضحاياها كما يقرر الواقع كان من أطلقها علي حرب ,‏

عندما وضع كتابا يتحدث فيه بثقة أن ما يجري في المنطقة هو ربيع حقيقي , وليس هذا بل تفاءل بالأمر , ربما كان يستند إلى قراءات هي أبعد ما تكون عن الواقع ومعطياته , وهنا كارثة التنظير الفكري والثقافي , ومن يعيشون في أبراج عاجية, لايقتربون من المجتمع , بما له وما عليه , يغرقون في عوالم التنظير , فتأتي الآراء والنظريات فيما بعد مغايرة لكل ما يحدث.‏

لم يطابق حساب السرايا حساب القرايا , البون شاسع وواسع, والفجوة كبيرة , لايمكن أن تضيق مادام من يعمل في التنظير بعيدا عن قراءات معمقة للحراك الاجتماعي الذي يجري , ورصده وتحليله , لا قراءته من خلال مظاهر توحي بغير ما تخفيه , من هنا نقرر أيضا أن المثقفين ليسوا وحدهم ضحايا أفكارهم , بل يجرون معهم من يقودونهم ويكتبون لهم , وينظرون عليهم , وبقراءات مخاتلة يقدمون وهما, فكم هو قاس ومر أن تكون النخبة المثقفة الفاعلة القادرة على الحراك لا تبصر أبعد من أنفها.‏

هنا يتقرر أمر آخر ألا وهو طغيان الآني والزائف على كل ما هو حقيقي, فعالم الاجتماع العربي مشغول بنظريات الغرب , وعلماء التربية والنقد , والإعلام وغير ذلك , نستورد نظريات ليست لنا , ولا تنبت في بيئتنا , ونعمل على قسرها لتناسب وواقعنا , والنتيجة ما نرى.‏

وهذا لايعني رفض التيارات الفكرية والثقافية وغيرها القادمة من الغرب, لا , على الإطلاق بل علينا أن نعمل على تمثلها وإعادة انتاجها لتكون من بيئتنا وحياتنا وواقعنا ,وهنا يحضرني العالم والروائي حليم بركات الذي قال في حوار أجريته معه منذ عقد ونيف إذ قال: لايمكنني كعالم اجتماع أن أبني آرائي من وهم وعلى وهم , بل أنطلق من التجارب الاجتماعية الحقيقية , ويعتمد الرواية العربية مصدرا من مصادر قراءة المجتمع وتحليله ,والعمل على وضع خطط ورؤى , وربما علينا أن نشير هنا إلى أنه كان أول عالم اجتماع عربي اقترب من قراءة حقيقية للشخصية العربية , حللها وفكك بناها ,وقد حاول الكثيرون رد ذلك ودحضه, لكن الوقائع على الأرض تؤكد أن حليم بركات كان الأكثر علمية وواقعية فيما ذهب إليه.‏

مجتمعاتنا التي شهدت نهضة فكرية تنويرية مع ما سمي اليقظة العربية , عادت القهقرى , أصبنا بخيبات أمل واحاقت بنا الآلام والكوارث من كل حدب وصوب , لم نجد من يشخص الداء ويضع الدواء, بل ذهب الكثيرون إلى محاولة تجميل ما نحن فيه وعليه ,ورموا من نقل الواقع بدقة , رموه بالتهم كما فعلوا مع نجيب محفوظ , فكان رده: إني لم أقدم في رواياتي وأعمالي إلا الجزء الصغير جدا من عوالم القاع التي نعيشها , وعلى الرغم من كل ما فيها فهي فساد وقسوة وجهل وتخلف , فهي مفلترة في الرواية , بمعنى آخر الواقع أسوأ بكثير مما ننقله ونقدمه.‏

الواقع العربي السيء من الماء إلى الماء , الجهل المتراكم , والغياب التام للمثقفين والمفكرين , وتلطيهم وراء الأكمة انتظاراً لمعرفة ماذا يجري , وإلى اين يقودنا.. هذا الواقع يدعونا لأن نطرح اسئلة كبرى: ماذا كانوا يفعلون , وماذا ينتظرون , ولماذا عندما احتاجتهم أوطانهم كانوا قرب الدولار وفي ظله, وله , تعروا كثيرا حتى أوراق التوت التي كان يمكن أن تستر بعضا من عريهم تساقطت , هل لأنهم فعلا غارقون في عوالم البحث عن مناصب ومغانم , أم لأنهم مزيفون ليسوا حقيقيين...؟‏

لسنا بصدد الإجابة على ذلك , ولكن الخطوط العريضة تقول: إنهم فعلا خارج سرب الحياة , واقعهم افتراضي , تشغلهم الأضواء والمواقع أكثر من الهم الوطني والإنساني , والدليل على ذلك الحرب العدوانية على سورية منذ سبع سنوات , ما نراه من حصاد لهؤلاء مخيب للآمال , يبعث على الأسى والحزن , وربما علينا أن نصرخ بصوت عال: يالخسارة الحبر والورق والمواقع بالكثيرين منهم!!!‏

أيقونات تيبست , تهرأت , لاقيمة عملية أو نظرية للكثيرين, وهذا لايعني القطيعة النهائية مع الثقافة التي صمدت وتحدت , بل يعني أن علينا أن نعمل على تنقيتها وتعريتها من الشوائب والطفيليات التي نمت على حسابها , ووصلت إلى تسيد الواجهة, فكان المزيف , وبمقارنة بسيطة مع الفعل الثقافي قبل عقود من الزمن , تظهر الهوة , ونرى ملامح العجز الذي نعيشه , والسؤال المطروح بكل قوة: هل هو عجز مثقفين ومفكرين , أم انه عجز الجميع في المجتمعات العربية, حاول الكثيرون ومنذ أن بدأت ملامحه تظهر حاولوا الإجابة عليه , ومن هؤلاء رياض نجيب الريس في كتابه المهم جدا: زمن السكوت خيبات الصحافة والسياسة والثقافة, ولنا عودة إليه.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية