تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


قمة كيم وترامب.. هل يتحول «الخيال» إلى واقع سياسي؟!

الثورة
دراسات
الأربعاء 13-6-2018
عبد الحليم سعود

لا يختلف اثنان بأن ما شهده أمس فندق كابيلا بسنغافورة من لقاء قمة بين الزعيم الكوري الديمقراطي كيم يونغ أون والرئيس الأميركي دونالد ترامب ـ ولو من حيث الشكل فقط ـ هو حدث تاريخي من الممكن البناء عليه

لحل قضايا شائكة، بالنظر لما شكله اللقاء من كسر لجليد مرحلة طويلة من العداء المزمن بين واشنطن وبيونغ يانغ، إذ لم يكن أحد يتخيل أن يلتقي الرجلان قبل عدة أشهر حيث تصاعدت حدة التصريحات بينهما إلى حدود غير مسبوقة وسمع العالم تبادلاً للشتائم والإهانات وقرقعة نووية وحديثاً عن أزرار كبيرة وصغيرة، ولا مبالغة في وصف الزعيم الكوري ما حدث في سنغافورة بأنه شبيه بأفلام الخيال العلمي.‏

توقيع وثيقة‏

معظم وسائل الإعلام ركزت على ما جرى في القمة من مصافحة تاريخية وسير على السجادة الحمراء وتبادل عبارات ودية وابتسامات والتقاط صور تذكارية أمام الكاميرات، لكن الأهم من ذلك هو ما جرى في الاجتماعين اللذين ضما كيم وترامب وفريق كل منهما السياسي والأمني، حيث انتهى أحدهما بتوقيع وثيقة وصفها ترامب بالشاملة والمهمة مؤكداً أنها شملت كافة الملفات المطروحة، في حين تفاءل الزعيم كيم بأن تساهم بطي صفحة الماضي وأن تبدأ صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين، لكن يبدو من الصعب الحكم على نتائج القمة قبل مرور بعض الوقت، وقبل أن تتكشف المعطيات التي أثارتها، والخطوات التي تم الاتفاق عليها للمضي قدما في إصلاح العلاقة المتوترة بين الدولتين ورفع حالة الحصار والعقوبات المفروضة على كوريا الديمقراطية وإنهاء حالة العداء والحرب في شبه الجزيرة الكورية، كإحدى أهم جبهات الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي منذ سبعين عاماً.‏

وبعيداً عن الشكليات التي طغت على اللقاء وأعطت انطباعاً إيجابياً حول رغبة الطرفين بتدشين عهد جديد في هذه المنطقة الحيوية من العالم، فمن المؤكد أن لكل طرف أهدافه الخاصة من هذا اللقاء، فالولايات المتحدة أكدت أنها تريد أن ترى خطوات سريعة نحو نزع الأسلحة النووية بشكل كامل وقابل للتحقق ولا رجعة فيه من قبل بيونغ يانغ قبل تنفيذ تخفيف العقوبات ورفع الحصار، على الرغم من أن ترامب أشار إلى بعض المرونة في هذا الإطار، في حين تدور الشكوك حول ما إذا كانت الضمانات التي ستقدمها واشنطن كافية ومطمئنة لتشجيع بيونغ يانغ لتحقيق الهدف الأميركي.‏

مصالح متبادلة‏

يقول محللون ومراقبون دوليون: إن هذه القمة مفيدة للجانبين، وخاصة أنها ستساعد بيونغ يانغ، التي تعاني من عقوبات اقتصادية وعزلة سياسية، على العودة مرة أخرى إلى أحضان المجتمع الدولي، موضحين أن الزعيم الكوري تمكن فيها من تحقيق حلم والده وجده بإقامة علاقات دبلوماسية مع واشنطن ما يتيح إمكانية تطبيع العلاقات مع باقي دول العالم.‏

في المقابل قد ترفع القمة رصيد ترامب المتآكل في بلاده، وتحقق له انتصاراً شخصياً وتجلعه يشعر بأنه تفوق على كل أسلافه، في الوقت الذي يواجه فيه انتقادات شرسة من السياسيين الديمقراطيين والجمهوريين أيضاً، والذين يتهمونه بأنه لم يستعد جيداً لهذه القمة.‏

مخاوف كورية‏

لم يخفِ المسؤولون الكوريون استياءهم من السعي الأميركي المستعجل لتدمير أسلحتهم النووية وبرنامجهم للصواريخ الباليستية، ونقل عنهم أنهم يفضلون اتباع نهج تدريجي للقيام بذلك، في حين رأى متابعون أن تدمير موقع التجارب النووية في بارجيري الشهر الماضي من قبل بيونغ يانغ كان بمثابة بادرة إيجابية قبل القمة، لكنه ليس بالخطوة الكافية، وعلى الرغم من كل ذلك، فإن بعض الخطوات التي اتخذها كيم قبل القمة تشير إلى وجود استعداد مشروع للتحدث مع الولايات المتحدة، وطموح حقيقي للتوصل إلى نوع من الاتفاق معها.‏

وتولي بيونغ يانغ أهمية خاصة للاقتصاد وقضايا التنمية للخروج من حالة الحصار والعقوبات المفروضة عليها، وقد استبقت القمة الحالية بسلسلة تعديلات في الجانب العسكري، وأعلنت حماسها للاستثمارات الأميركية، في إطار استراتيجية شاملة لرفع البلاد عن دائرة الفقر، ومع ذلك، ليس واضحاً ما إذا كان ترامب وكيم سيصلان إلى مرحلة حاسمة في مناقشة اتفاق محتمل لنزع السلاح النووي في ضوء فهم كل طرف لهذه المسألة وتعريفه لها وخاصة في ظل التجربة الأميركية غير المشجعة في الملف النووي الإيراني وانسحابها من الاتفاق مع إيران.‏

مطبات ومعوقات وشكوك‏

قياساً بتجارب سابقة بين البلدين حيث أبرمت في العام 1994 و2005 اتفاقات بين البلدين لكن أياً منها لم يتم تطبيقه بسبب نقض واشنطن لهذه الاتفاقات تحت ذرائع مختلفة، واستئناف بيونغ يانغ أنشطتها النووية وتجاربها الصاروخية كجزء من أوراق الضغط التي تملكها لمواجهة حالة الحصار والتهديدات والعقوبات، وتجارب قريبة حيث انسحب ترامب من الاتفاق النووي مع إيران ومن اتفاقية باريس المناخية واتفاقات أخرى مع أوروبا وكندا وغيرهما، ثمة من يرى أن شخصية ترامب الغوغائية والمزاجية في اتخاذ القرارات هي أكبر المعوقات أمام نجاح أي اتفاق مع كوريا الديمقراطية، وليس من الوارد ـ رغم الاستعداد لذلك ـ أن تتخلى بيونغ يانغ عن كل نقاط قوتها أو تساوم عليها قبل أن تتأكد من أن مصالحها مصانة.‏

وقياساً بملفات كثيرة وأحداث كان ترامب مشاركا فيها هناك من يظن أن قمة سنغافورة ليست أكثر من حدث استعراضي أراده ترامب مناسبة لاستعادة بعض شعبيته المفقودة داخلياً وخارجياً، واستعراض بعض مواهبه معولاً على «حدسه» ومهارات التفاوض التي يقول إنه يتميز بها، ولأنه قادم من عالم التجارة والأعمال والصفقات فقد يتعامل مع قضية بهذه الأهمية والخطورة في إطار الصفقة وحسابات الربح والخسارة بعيداً عن القيم والقانون والأعراف الدولية، يقول جيفري لويس الخبير في السياسة الخارجية الأميركية «ترامب قدم ببساطة هذه اللقاءات إلى الكوريين الشماليين من دون الحصول على أي تقدم». وأضاف: «يبدو واضحاً منذ البداية أن كوريا الشمالية ليس لديها نية التخلي عن ترسانتها النووية».‏

مفترق طرق خطِر‏

بالمحصلة تبدو منطقة شرق آسيا وشبه الجزيرة الكورية بالتحديد في أعقاب هذا اللقاء أمام تحد كبير ومفترق طرق خطِر ولحظة تاريخية مفصلية قد تؤسس لمرحلة جديدة من إنهاء التوتر والعداء والحرب واستعادة السلام والاستقرار في هذه المنطقة الحيوية من العالم، وقد ترفع مستوى التوتر والقلق وتزيد من فرص الحرب إلى الحدود القصوى إذا تراجع ترامب عما اتفق عليه في القمة، وقد أصبح العالم كله على يقين أن واشنطن في ظل إدارة متهورة واستعراضية كإدارة ترامب يمكن أن تفعل أي شيء من شأنه إثارة المشكلات وتأجيج الخلافات كما تفعل في منطقة الشرق الأوسط، مع مسؤوليتها المباشرة عن تأجيج العديد من الصراعات والأزمات والحروب في عالمنا من أجل فرض هيمنتها العسكرية والسياسية وتوقيع صفقات السلاح، وليس من السهولة توقّع الخير والسلام من أميركا وهي أكثر من ساهم بتدمير العالم وقتل شعوبه وتفتيت دوله، ما يجعل التكهن بنتائج قمة سنغافورة والحكم عليها أمراً بالغ التعقيد.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية