تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


فـــــي الجـــــذور المؤســـســـــة لحركـــــة الإرهـــــاب المعاصـــــر

دراسات
الاثنين 20-8-2018
د. احمد الحاج علي

لن ينفصل السلوك الإرهابي المعاصر عن جذوره التاريخية والأيديولوجية، ذلك أن الإرهاب كما تقدمه التجربة المعاصرة هو ليس حالة انفعالية أو رداً على وضع سياسي عابر، إن كل ما في الإرهاب من مواصفات مادية معنوية

إنما يدل على أن المسألة هي خيار إرادي وانتماء فكري ومنهج متعمد في الذبح والتدمير والحرق وإبادة الحياة بمعالمها الأصيلة، ولننظر الآن في لوحة الواقع السوداء ما يحتضنها الوطن العربي في هذه الأيام الشاردة، كان من بين اخر صور الإرهاب المعاصر هو هذا الهجوم الذي نفذه العدوان السعودي والإماراتي على منطقة صعده في اليمن وببساطة تتماهى مع الجريمة استهدف هذا العدوان حافلة مكتظة بالأعمار الندية والأجساد الفضة وهم مجرد أطفال أتيحت لهم فرصة بسيطة للذهاب في رحلة وعلى ظهورهم حقائب المنظمة الدولية العالمية (اليونيسف) لقد داهمهم الطيران السعودي والإماراتي وتحولت أجسادهم‏

الى أشلاء وقد كانوا قبل دقيقة واحدة يلمؤون الأفق أملاً وفرحاً ويستبشرون بل ويبشرون كل البؤساء في اليمن المنكوب ان فرصة الحياة ما زالت متاحة، ولكن الإرهاب السعودي الإماراتي قتلهم وقتل معهم كل بقايا النبوءات السعيدة والتي كانت مطاردة بمواكب القتل وبهوس الإرهاب المنتشر كروح مؤسسة في نظام (خادم الحرمين الشريفين).‏

ونحن في سورية نتوق مرارة الإرهاب ولاسيما من هذا الصنف السادي وما زلنا نعيش التجربة المرة والمأساوية منذ ثماني سنوات وانضم إلينا اليمن السعيد والوطيد من على بعد أعوام ثلاثة أيضاً، أصبحنا في الهم سواء ولا قيمة لفارق الزمن فالزمن عادة يتلاشى أمام سيل الأهوال والآلام، ولكن الذي يحكم المسألة في هذا السياق هو مكونان اثنان احدهما قادم من عمق التاريخ وقد وحد منطقة ومسيرته وهذا ما يدفعنا في البحث والتحليل للقول بأن الإرهاب ظاهرة تاريخية ضاربة في عمق التاريخ وفي أغوار الزمن وهنا نستطيع ان نلتقط من منابع الإرهاب ما انطلقت منه الجماعة اليهودية المعروفة باسم السيكارين والسيكاريون نسبة إلى الخناجر الرومانية التي تدعى السيكا وقد تسلح بها اليهود في المذابح السرية والعلنية ضد الرومان في مسعىً واضح لتدمير علمانية الدولة الرومانية باستخدام العنف.‏

ليس ضد الرومان فحسب بل ضد اليهود أنفسهم من فئة المعتدلين واستمرت هذه النزعة في الثقافة اليهودية وفي المواد الفكرية الناظمة للنزعة اليهودية والآن يمكننا أن نلاحظ مدى تشبع التاريخ الإسرائيلي في الإرهاب المستمد من طبيعة الصهيونية ومن خبرة إرهاب الشعوب المحيطة.‏

هذه لمحة لأنه لا يجوز بعد الآن أن ننجرف وراء التحليلات المترهلة التي تفصل بين الإرهاب والذين يمارسون الإرهاب، فهناك حدود صادمة لا يمكن أن نفسرها بمعايير اللحظة الطائشة إذ حينما يقتل مئة طفل في اليمن على يد آل سعود وآل نهيان وبهذا التعمد الواضح وحينما نضيف إلى هذه المجزرة أجيالاً من المجازر التي نفذها الغزو الإرهابي التكفيري في سورية الآن، والدم لم يجف بعد واليتامى والأيامى يتناثرون في كل مأوي وعلى كل رصيف مهجور.‏

كيف ننسى مجازر درعا البلد ونوى والحراك ومجزرة الحوله في حمص ومجازر الرقة ودير الزور والحسكة ومجازر شمال اللاذقية في القرى الآمنة وكيف لا نجد هذا الرابط العضوي الحي والمتفاعل ما بين مجزرة أطفال اليمن الراهنة ومجزرة الإرهاب في مدينة السويداء الأصيلة والنبيلة وفي ريفها الشمالي الشرقي المعروف بأنه خزان إنساني للإباء والشهادة وهما ميزتان صارتا امتيازاً لأبناء جبل العرب على مر التاريخ القديم والمعاصر.‏

إنه ذات القتل وبذات الطريقة والمنهج وكل الذي تغير هو القاتل هناك في اليمن والقاتل هنا في جبل العرب وعلى بعد المسافة ما بين القتلة فإنهم ينتمون للجذر الواحد وأساسه الضارب في العمق هناك في التلمود وفي الوهابية وفي معتقد الإخوان المسلمين إلى أن أنتجت هذه المصادر المعتمة والحاقدة فصائلها الموحدة والمعبرة عنها وقد بدأ الغرب الاستعماري بنشر هذه الفصائل في العراق وفي سورية وأخيراً في اليمن السعيد وهنا يأتي دور المكون الثاني في الوجود الإرهابي بكامله ويتمثل هذا المكون في حيثيات ومقاصد الغرب الاستعماري بشقيه الأوروبي والأميركي وفي وحدة هذا الغرب عبر الإرهاب وعلى قاعدته مع الحركة الصهيونية والكيان الإسرائيلي ومن ثم مع الأنظمة السياسية الرجعية وما تواتر أو تفرع من ذلك عبر الأذرعة الإرهابية ولاسيما الذراعان الأبشع وهما داعش وجبهة النصرة.‏

وفي هذا المكون نجد البصمات والآثار الواضحة للإرهاب من حيث رضوخه ونموه في الحاضنة الامبريالية الصهيونية، لقد قسم منذ زمن بعيد جورج دبليو بوش العالم ما بين محور للشر هو كل شعوب الأرض ومحور للخير هو أميركا ومشتقاتها ومرتجعاتها والقاعدة عند بوش كانت تقول من ليس معنا فهو ضدنا واندرج مثل هذا الفكر المسلح بالسموم وأدوات القتل المتطورة في كل إنحاء العالم ولم يعد الإرهاب محصوراً على بلد دون آخر أو على دين دون آخر لقد صار الإرهاب مزيجاً مركباً فيه الشذوذ النفسي وفيه الحقد على كل المصادر الفكرية التي تحث على السلام وتجعل من قتل النفس البشرية أكبر الكبائر ومن هنا نفهم لماذا ركز الغرب الاستعماري ومعه الصهيونية العالمية على فاصلين متلازمين الأولى منهما تؤكد بأن الإسلام هو مصدر كل إرهاب ولذا لابد من تدميره أو إعادة إنتاجه على خطى السياسات والأهداف الغربية والصهيونية وهنا جاءت هذه التجارة بالإسلام وهذا الربط المتعسف والفمي مابين النص القرآني الحكيم وصيغ الذبح والقتل والتدمير عبر الإرهاب.‏

وواضح أن الهدف الأرعن لهم هو تدمير الإسلام وتجويفه كدين سماوي ومن أجل ذلك اعتمدوا الفاصلة الثانية في هذا السياق والتي تؤكد بأن فوبيا الإسلام صارت هي العدو الرئيسي لكل شعوب الأرض ومن أجل ذلك دفعوا بالتنظيمات الإرهابية إلى حد اعتناق القتل وقطع الرؤوس ونثر الأشلاء واستباحة المحرمات ومن ثم الذهاب إلى حد تدمير مآثر البشر وحضارة الأمم وأوابد التاريخ.‏

كان ذلك كله من العناصر الضرورية للإرهاب وكان من نتيجة ذلك أن تنشر الآن وحدة الإرهاب ووحدة منفذيه ووحدة رعاته وحماته في كهوف الغرب الاستعماري والصهيونية العالمية.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية