تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


المعركـــــــة الأخيــــرة بـــــين الميـــــدان والسياســــــة

دراسات
الاثنين 20-8-2018
الدكتور فايز عز الدين

لقد قيل -عبر زمن الحروب العظمى- إن الحرب هي الوجه العنفي للسياسة، وقد تأتي السياسة بما لا يوفر ظروف الحرب وينقذ البشرية من ويلات الحروب، لكن الحرب والسياسة وجهان لاستراتيجية واحدة،

فما لا تستطيعه السياسة قد تتولاه الحرب والعكس كذلك. وبناء عليه فإن الحرب الإرهابية التي شُنّت على سورية في السنوات السبع ونيّف لم تحقق من شروط الهيمنة الاستعمارية، ولا من ظروفها شيئاً بفعل صلابة البنية الشعبية للدولة السورية، ومتانة مؤسسة الدفاع عن السيادة، والاستقلال التي تَمَثَّلَ بها الجيش العربي السوري عبر تشكيله الوطني العريق، وعقيدته القومية الوحدوية. ولذا فقد تمكنت سورية من أن تصمد أمام أعتى تحالف دولي في تاريخ حروب التدخل التي شهدتها أمم الأرض خلال تاريخ البشرية الموغل في القدم؛ وتحوّل الصمود إلى استراتيجية داخلية قويت بها المناعة الوطنية للمجتمع، وتشكّلت فيها المقاصد الجديدة لرؤى القوى الفاعلة في الوطن حتى تمّت ترجمة وطن الجميع يحميه الجميع ويصونون أرضه وسيادته.‏

ومن الصلابة الداخلية اتسعت الدائرة الفاعلة لبلد الصمود لتجتاح البعد الإقليمي للحرب على سورية فبدأت أحجار الدومينو تتساقط في مملكة آل سعود، ومشيخاتها، وفي تركيا أردوغان وسياساتها، وفي كيان العدوان الصهيوني ومخططاته، وبرزت سورية من بين فائض التحالف الإرهابي العدواني عليها ممسكة بأوراق اللعبة ومتحكمة بمنهج التحول الداخلي ليبقى الوطن رغم المتحالفين عليه لتدميره، وبمنهج التحول الإقليمي عبر تحالفاته في جبهة مقاومة عصيت على هؤلاء الذين افترضوا بالأدوات الهشّة إنْ كانت نُظُماً تقود الحرب أو تدعمها لوجستياً أنهم سينتصرون على دولة الشعب في سورية، وأخيراً بمنهج التحوّل الدولي حيث ساهم الصمود السوري في خلق اشتباك دولي كبير بين القوة العالمية المتغطرسة أميركا، والقوى العالمية التي تسعى لتصحيح العلاقات الدولية كي تقوم على منظومات القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة، وتنتهي إثر ذلك سياسات التدخل في الشؤون الداخلية للأمم الأخرى ومن خارج طاولة مجلس الأمن الدولي، وقراراته العالمية. ومن الطبيعي أن يجد المؤرخ السياسي في الحرب على سورية أن النموذج الذي مارسته أميركا يرقى إلى جرائم حرب ضد الإنسانية، ولن تقبل الإنسانية الحضارية هذه الصورة من الاستهداف التي دمّرت الحجر، والبشر بدون أي أخلاق، أو رادع من ضمير فالمهم في سياستهم أن تتم خدمة المشروع الصهيوني ولو كان فناء العرب استحقاقاً لهذه الخدمة. وبعد السنوات السبع ونيّف تنكشف الصورة أكثر فأكثر، وأولى ما في الصورة وقائع الميدان حيث تمكّن الجيش السوري وحلفاؤه، والقوى الوطنية الرديفة من أن يخوضوا المعارك ضد الإرهاب على جغرافية الوطن بكاملها باعتبار أن التحالف الدولي الإرهابي على سورية قد ضخَّ الإرهاب إليها من الحدود الأربعة، وكان طبيعياً أن يواجه الجيش الإرهاب على الحدود الأربعة. وما سُخّرت من أجله الميديا الدولية التضليلية كان حرباً نفسية وإعلامية وثقافية أدخلت حرب المصطلحات إلى نسبة من الذهنية السورية بما انزاحت معه بادئ ذي بدء بعض مقوّمات العقول وقيمها، واحتسب الناس أن حرباً أهلية لا بد واقعةً ولكن في مجرى الحرب الإرهابية المدعومة والمدارة من الخارج الإمبريالي الصهيوني أخذ العقل السوري يُدقّق، ويصوّب، ويصحّح حتى انهزمت أهداف الميديا المعادية في الوعي السوري، وظهر السوريون في ثقافة المقاومة، والصمود، والتوحيد الوطني والتوحّد حول الوطن أقوى بكثير مما افترضه تحالف العدوان الإرهابي عليهم. وقد كان المتابع السوري والمواطن الشريف يدركان أن غايات ما سموه الربيع ليست مقرّرة لخدمة الشعب في سورية بمقدار ما هي مقررة لخدمة كيان العدوان إسرائيل.‏

وأن الأعراب المتولّين حرب تدمير سورية لن يجدوا اي سبيل الى الشعب الصامد لتحقيق ما خططت له الصهيونية، وكلفتهم فيه. ووفقاً لمقتضاه بدأت معارك النصر على الإرهاب تتوالى من وسط سورية إلى شرقها وشمالها، إلى محيط عاصمتها وجنوبها، إلى باديتها المتاخمة للأردن والعراق، وبدأ العد التراجعي للوجود الإرهابي يتأكد يوماً بعد يوم، ولو أن التواجد الاحتلالي الأميركي والأطلسي ما زال يدعم الإرهاب، ويوفّر له ظروف التسلل إلى بعض مواقع الجيش، أو إلى القرى الآمنة كما حصل في ريف اللاذقية، وحماة، وحمص، والسويداء مؤخراً مع ذلك صارت الهزيمة النفسية والمعنوية واقعاً ملموساً لدى قطعان الإرهاب وها هو الجيش الباسل مع حلفائه ينجزون معركة الجنوب، واستكمالها في بادية السويداء وتدخل ساعة الصفر لتحرير محافظة إدلب وهي المساحة الأخيرة من الجغرافية السورية، كما ستكون المعركة الأخيرة ضد الإرهاب، ولكون تحرير إدلب يمثّل المعركة الأخيرة في تحرير سورية من قطعان الإرهاب تتضح لنا صورة القلق الكبير التي تبدو على مصممي الإرهاب الدولي ورعاته، ومشغّليه، وتتضح لنا صورة التدخل السياسي والعسكري لكي لا تضع الحرب أوزارها ويتم إعلان النصر السوري المؤزر.‏

فالآن -والجيش يبدأ معركة إدلب- نرى كيف يأمر حلف العدوان الأمروصهيوني إرهابيين من جبهة النصرة وجماعتها كي يغتالوا من يقبل بالمصالحات الوطنية في إدلب لكون الشعب رافض للإرهاب ومنفضٌّ عنه، وكيف يقوم أردوغان بخلق تحالفات بين المجموعات الإرهابية كما أعلن عبر هيئة تحرير الشام وغيرها، ويعتقد أردوغان وزبانية العدوان أن فائض الإرهاب المتواجد في إدلب -إذا استُثمر- يمكن أن يحقق لأردوغان استراتيجية ما سمي بموطئ قدم على طاولة المفاوضات حتى يخرج أمام الأتراك منتصراً، ولا تُفرض عليه الهزيمة وإذا ما فرضت الهزيمة على أردوغان سيخرج حلف العدوان برمّته مهزوماً من الحرب التي شنّوها إرهابياً على بلدنا.‏

ومحصلة الأمر أن الجيش قد بدأ معركته، ولن يقف بوجهه فائض الإرهاب الذي تمّ صبّه في إدلب فكما انتصر على هذا الفائض في حلب، والدير، والجنوب سيكون النصر في إدلب مع العلم أن ما يرشح حتى الآن هو أن تحالف الإرهابيين قد تضعضع وصار العدد الكبير منهم -ولا سيما الأجانب- يفكرون بطرق هروبهم من الميدان، ويتمنون أن تنقذهم السياسة مما رماهم به حلف العدوان الذي تولّى تشغيلهم، ولم يعد بيديه فائض من الغطرسة لحمايتهم، وستدخل معركة إدلب إلى مخارجها في النصر المؤزّر، ولو كره الكارهون.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية