تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


إطلالة صيفية لمعرض الكتاب في دورته الثلاثين.. دلالات شـعار معـرض كتـاب دمشـق الدولـي

ثقافة
الأربعاء 8-8-2018
أبوالفضل صالحي نيا

«معرض الكتاب» لعله يُعتبر أهم وأبرز حدث ثقافي في أي بلد ، هذا الحدث له أهميته الخاصة ولاسيّما إذا أقيم في ظلّ ظروف استثنائية كما في سورية

التي ما زال العمل حثيثاً على مواجهة أعدائها الذين حشدوا كل مايملكون لتحقيق نواياهم الخبيثة في استهداف حضارتها وثقافتها وأمنها ووحدتها..‏

غير مدركين أنّ هذا البلد يملك مايملك من قوة المقاومة المستمدّة من عمقها التاريخي وغني حضارتها وثقافتها وحلفائها الصادقين لمساندتها بكافة الأشكال.‏

وسريعاً ما تفاجأ الاعداء من التماسك واللحمة في هذا البلد قيادةً وحكومةً وشعباً وبالمقاومة الشاملة على كافة الأصعدة ، لا فقط على الجانب العسكري بل مقاومة بمنظومة كاملة متكاملة تشمل إلى ذلك المقاومة السياسية والاقتصادية والثقافية.‏

إنّ إقامة معرض كتاب دمشق الدولي خير دليل علي نجاح هذه المقاومة وانتصار ثقافة التسامح والاعتدال والفكر والمعرفة علي ثقافة الانغلاق والتطرف والجهل والجمود، واستعادة المعرض الدولي للكتاب نشاطه في ظلّ الظروف الاستثنائية يُسجّل لوزارة الثقافة لاصرارها علي إحياء نشاط المعرض.‏

المعنيون بالثقافة في إيران ولاسيما دور النشر تُشارك سورية هذا العرس الثقافي ، وإني كزائر في هذا المعرض أكثر ما لفت نظري هذا العام هوشعار المعرض «مجتمع يقرأ.. مجتمع يبني» يمكن ملاحظة ثلاث مفردات مترابطة ومتلازمة ، مذكورة أومستورةً في هذا الشعار، (الكتاب) و(القراءة) و(البناء).‏

(الكتاب) المفردة الاساس في شعار المعرض ومستور في مجتمع يقرأ ؛ أقدم وأهم وسيلة لتوثيق العلم ولنقله من الشخص إلي المجتمع ومنه إلي العالَم ليصبح العلم عالمياً عابراً الحدود الجغرافية وليصبح تراثاً حضارياً للانسان عابراً الزمان وكل هذا بفضل الكتاب, الكتاب يحتضن في طياته العلم والمعرفة والنور والذي يُكتب بالكلمات والتي بدورها تتشكل من الاحرف وسورية هي مهد ابداع الاحرف الاولي في العالم وبهذا بدأت مسيرة توثيق العلم في العالم من سورية.‏

(القراءة) المفردة الثانية التي تُلاحظ في شعار المعرض والتي علي علاقة مباشرة بالكتاب؛ القراءة وسيلة الانسان للاطلاع ولكسب العلم ، العلوم التي ستُوثّق بالكتاب وتنتقل إلي العالم بالقراءة فهي الوسيلة الاهم ليسير الانسان في مسير الكمال، الاسلام الذي جاء ليهدي الانسان إلي الكمال ويُخرجه من الظلمات الي النور بدأ بالقراءة وأوّل ما تلقّاه النبي الاكرم  من الوحي هو }اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) {, كلّنا يعلم بأنّ الاسلام دين علم ومعرفة ، فـ (هل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون) ، يحثّ علي طلب العلم ، «أطلبوا العلم من المهد الي اللحد»، فهل يمكن تصوّر بُعد المسافة ما بين هذا الدين الحنيف وبين من يمنعون القراءة إلا ما يسمحون به فيكفّرون العلم والفكر بداعي الحفاظ علي الدين؟ نعم ؛ بالقراءة يبدأ مشوار انتقال العلم من الشخص الي المجتمع ثمّ الي العالَم ، ولأن الله جعل ألسنتنا مختلفة كانت الترجمة كاسرة للحدود الجغرافية ورافعة للعوائق أمام نشر العلم لتتشكل الحضارة الانسانية من نقل وتجميع علوم وتجارب الامم كما شكلّت الحضارة الاسلامية أساس الحضارة المعاصرة.‏

القراءة أساس للمعرفة ولرُقي الانسان للمراتب العليا ولهذا تشجيع المجتمع على القراءة من أهم مسؤوليات الحكومات، فاذا أردنا لمجتمعاتنا مستقبلاً مشرقاً وحياةً تليق بأشرف المخلوقات علينا أن نهتم بالقراءة وعلي حكوماتنا أن تشجّع وتوفّر كل ما يلزم لجعل القراءة جزءاً لا يتجزأ من البرنامج اليومي لمواطنيها.. ولعل شعار المعرض هذا العام يدلّ علي وعي مسؤولي الثقافة في سورية لهذا الامر الهام.‏

(مجتمع يبني) المفردة الثالثة في شعار المعرض هي البناء ، إذ أن المجتمع الانساني يستمر بالبناء, البناء رمز حيوية المجتمع وسرّ ديمومته, المجتمع الذي لا يبني، لامستقبل له ، يضمحلّ ويصبح من الماضي, البناء بحاجة إلي المعرفة التي نكتسبها من دوام القراءة ومصدرها الكتاب وهذا يُوضّح لنا التلازم بين المفردات الثلاث الملحوظة في شعار معرض الكتاب هذا العام.‏

ما دامت هذه المفردات الثلاث تتوافر وتنشط في المجتمع ، تعني هناك من يفكر ويكتب وينتج العلم والمعرفة ومن يصنع الكتاب ويقدمه للمجتمع وايضاً هناك من يقرأ ، لا خوف علي هذا المجتمع ومستقبله لواجتمع العالم ضدّه لأنّه منيع من داخله ، وسورية قد أثبتت هذا الامر بصمودها لأكثر من سبع سنوات أمام الهجمة التي قادها جيش الجهلة والظلامية الذي أينما دخل قتل ونكّل بأصحاب الفكر وأحرق الكتب ومنع تأليف الكتاب وقراءته إلا بما يسمحون بقراءته. كل البعد أن تكون هذه الجماعات من نسيج المجتمع السوري ذي التاريخ والحضارة والذي طالما لعب دور وسيط التبادل العلمي والثقافي والحضاري بين الشرق والغرب ، نحن الايرانيون ندرك هذا الواقع أكثر من أي بلد آخر نتيجة التواصل والتبادل الثقافي مع أهل وعلماء سورية علي مرّ التاريخ والي يومنا هذا وستستمر في القادم لاننا من نسيج واحد.‏

إنه مغزي وقوفنا في كل المجالات الي جانب الشعب والدولة السورية في وجه المؤامرة ، وتأتي مشاركة الجمهورية الاسلامية الايرانية في معرض دمشق الدولي للكتاب في نفس السياق إذ نعتبر هذا النشاط هوالجزء الثقافي من منظومة المقاومة ولابدّ لهذه المقاومة الثقافية الانتصار علي أعداء الفكر والمعرفة كما انتصرت في ميادين القتال وقد تكفي الاشارة إلى أن رفع شعار (مجتمع يقرأ... مجتمع يبني) بشكله ومضمونه في معرض الكتاب هوعلامة النصر.‏

المستشار الثقافي لسفارة الجمهورية الاسلامية الايرانية‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية