تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


شاعر سوري اسمه ميلياغروس

ثقافة
الخميس 4-2-2010م
بقلم الدكتور إحسان هندي

ليس من قبيل التعصب الوطني أو القومي أن أدعي أن بلدنا هذه كانت أم الحضارات منذ أن وجدت كلمة حضارة وعمت على ألسنة الناس, كما أن بلدنا هذه هي أم الفكر الإنساني الذي ينظر إلى الإنسان في إنسانيته دون الاعتراف بأي حدود جغرافية أو فوراق عرقية.

وسأعطي كمثال على هذا السبق شاعرا سوريا عاش في القرن الثاني قبل الميلاد, وكان في منبته العائلي وتكوينه الثقافي وفلسفته وشعره مثالا على ما يمكن تسميته المواطن العالمي, منذ تلك الحقبة الموغلة في القدم.‏

فمن حيث المنبت العائلي كان ميلياغروس ابن مستوطن يوناني اسمه اوقراس كان يعيش في مدينة غادارا السورية, التي تحمل اليوم اسم أم قيس وتوجد في الزاوية الشمالية الغربية من دولة المملكة الأردنية الهاشمية, أما أمه فهي مواطنة سورية من سكان هذه المنطقة.‏

ومن حيث فلسفته فإنه تربى على مبادئ الفلسفة المينيبية نسبة إلى الفيلسوف منيبوس وهو من أبناء هذه البلدة نفسها وهذه الفلسفة تدعو إلى الحب بين البشر وإلى فعل الخير والابتعاد عن الشر وهي تشبه في مبادئها إلى حد كبير الفلسفة الكونغوشيوسية التي كانت معاصرة لها في الصين.‏

ومن حيث تكوينه الثقافي كان ميليا غروس يجيد ثلاثا من لغات عصره: اليونانية والآرامية والفينيقية, ويلم إلماما كافيا باللغة اللاتينية.‏

وقد دعم روافده الثقافية بالسفر, حيث ارتحل في مرحلة شبابه إلى مدينة تيروس أي صور اللبنانية حسب تسميتها الحالية, كما قضى مرحلة كهولته وشيخوخته في جزيرية كوس اليونانية التي توفي فيها عن عمر يناهز الثمانين عاما في سنة 60 ق.م.‏

ومن حيث شعره فقد نظم ديوانين باليونانية: الأول بعنوان ربات الجمال وهو يتغزل فيه بنفر من صويحباته في جزيرة كوس وخاصة هيليودورا التي ماتت شابة, وزينوفيلا التي كان عدد عشاقها أكبر من المعتاد ولذا لم يتزوج ميليا غروس بأي من الاثنتين ومات عازبا دون زوجة أو أولاد.‏

وسنذكر فيما يلي نص قصيدتين كاملتين من نظم ميليا غروس.‏

- الأولى هي الشاهدة التي أمر أن تكتب على قبره وهي تدل بوضوح على فلسفته الإنسانية في عدم التفريق بين إنسان وآخر, أو لغة وأخرى.‏

والثانية هي قصيدة حب نظمها في صاحبته هيليودورا وهي من أعذب قصائد الغزل على مر العصور.‏

القصيدة – الشاهدة:‏

أيها العابر من هنا‏

لا تخف من مرورك بين أجداث الموتى‏

فهنا يرقد عجوز مسالم رقدته الأخيرة‏

إنه ميليا غروس ابن أوقراطس‏

الذي تغنى بالحب‏

وجعل الدموع السعيدة تهطل من المآقي‏

لأنه وقف واسطة‏

بين ربات الشعر وتجسيد الجمال الساحر‏

لقد كان رجلا من مدينة صور‏

التي باركتها الآلهة‏

ولكن مدينة غادارا المقدسة‏

كانت هي مسقط رأسه.‏

ثم أتى إلى كوس‏

الجزيرة المباركة التي آوت شيخوخته.‏

فإذا كنت سوريا أيها العابر‏

فقل عند قبري سلام‏

وإذا كنت فينيقيا فقل أودوني‏

وإن كنت يونانيا قل خايرية‏

وتقبل مني التحية‏

التي سيردها طيفي إليك.‏

قصيدة حب في هيليودورا:‏

النظرة‏

إن خيوط حياتي بأجمعها‏

مرتبطة بك‏

وبك يتعلق نفسي الأخير‏

والرمق الباقي من حياتي‏

إن عينيك يا حبيبتي تفتنان الأعمى‏

بالنور الذي ينطلق من هدبيك اللامعين‏

إذا كانت نظرتك سوداء( أي متجهمة)‏

حل الشتاء في قلبي‏

ولكن إذا ابتسمت لي‏

أزهر فصل الربيع الجميل.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية