تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


الـبـيـت الأبـيض .. والـطاعـة الـتركيـة !!

الثورة
دراسات
الأربعاء 28-3-2018
ليندا سكوتي

استغرب واستهجن العالم بأسره ما صدر عن الرئيس التركي رجب أردوغان من أقوال تضمنت تهديدا للولايات المتحدة وقواتها إن هي حاولت إعاقة التوغل العسكري التركي في سورية.

وقد أعطى هذا التهديد انطباعا واضحا عن عمق الخصومة القائمة بين أنقرة وواشنطن وعن احتمال حدوث انهيار في التحالف الذي استمر لعقود عدة.‏

ثمة قضايا قائمة أفضت إلى تباعد بين الحليفين في الناتو (الولايات المتحدة وتركيا)، وجعلت كل منهما يلقي باللائمة على الآخر. فالأميركيون ينتقدون ما نهج إليه أردوغان من ترسيخ لسلطته وعدم اكتراثه بحقوق الإنسان. أما الحكومة التركية فقد أخذت تكيل التهم للولايات المتحدة بالتحريض على الحكم في تركيا ودعم الحركة الانقلابية التي حدثت في تموز عام 2016، وإيوائها فتح الله غولن الذي يقيم في ولاية بنسلفانيا ويعتبر الزعيم الروحي والقائد للمحاولة الانقلابية.‏

جاءت قضية أخرى اسهمت في التباعد بين واشنطن وأنقرة، ذلك أن أردوغان اكتنفه شعور بعدم اهتمام الولايات المتحدة بما يشكله تنظيم وحدات حماية الشعب الكردية في الشمال السوري من خطر على تركيا إذ يعتبر هذا التنظيم من ألد أعدائها لكونه يمثل جناحا من حزب العمال الكردستاني الذي ناهض الحكومة التركية على مدى ثلاثة عقود. أما الأميركيون فقد انتابهم القلق إزاء مايسمى قوات درع الفرات وغصن الزيتون في سورية والإدارة التركية، ومن تعاون تلك الإدارة مع روسيا الذي برز مؤخرا عندما اتفق الطرفان على بيع منظومة دفاع جوية روسية لتركيا الأمر الذي أثار حفيظة الولايات المتحدة وحلفائها في الناتو.‏

ثمة تقارير تقول بأن لدى واشنطن رغبة في التخلي عن حليفتها تركيا، ولن يضيرها البتة فرض عقوبات عليها جراء تصرفاتها، كما أشار استطلاع للرأي جرى في تركيا تبين منه بأن 67 بالمئة من الأتراك يشككون في الدور الأميركي ولا يثقون به.‏

لا ريب بأن الابتعاد عن تركيا وتجاوز مصالحها سيفضي أيضا إلى إلحاق الضرر بمصالح الولايات المتحدة ذلك لأن هذا البلد يمتلك موقعا جغرافيا واقتصاديا هاما، ويشكل منطقة للعبور بين أوروبا والشرق الأوسط وروسيا، وإن فقدانها كحليف سيضع الشرق الأوسط على مشارف أوروبا، وسيتيح لروسيا التوغل في الشرق الأوسط بعد أن ينهار الحاجز الذي تشكله تركيا بينهما.‏

وإزاء ذلك فمن الصعوبة بمكان أن تتخلى الولايات المتحدة عن حليف له تلك الميزات خاصة وأن فصم عرى العلاقة القائمة بين واشنطن وأنقرة سيفضي بالضرورة إلى تقارب أكبر مع كل من طهران وموسكو.‏

إن الإبقاء على التحالف التركي- الأميركي بما يمثله من أهمية استراتيجية للطرفين سيدفع بهما للتوصل إلى حلول وسط لتسوية الخلافات القائمة حيث ستعمد الولايات المتحدة إلى إظهار بعض التنازلات في تعاملاتها سواء مع الأتراك أو مع الأكراد، وثمة تقارير بأن اتفاقا قد تم بين الإدارتين الأميركية والتركية يقوم على تخفيض التواجد للميليشيات الكردية غربي نهر الفرات ولاسيما حول منبج (تلك المدينة الاستراتيجية) حيث يتحسب الأتراك من إنشاء منطقة نفوذ كردية تتاخم حدودهم الجنوبية، وأن يتسامح الأتراك ويقبلون بوجود قوات أميركية ووحدات حماية الشعب في مواقع إقامة الأكراد شرق الفرات الأمر الذي يتيح للقوات الأميركية البقاء في الأراضي السورية. لكن البعض في الولايات المتحدة يرى بأن التعامل مع الأتراك بذلك الأسلوب يعتبر خيانة لشريك أميركا في سورية والمتمثل بتنظيم وحدات حماية الشعب الكردية.‏

وعلى الرغم مما يظهر من خلافات يشوبها التهديد نعتقد بأن تركيا ستسعى إلى تحسين علاقتها مع حليفتها، كما ونعتقد بأن أميركا ستلجأ إلى بذل جهودها لإقناع الأكراد السوريين بالابتعاد عن حزب العمال الكردستاني واختيار مسارهم الخاص.‏

لكن يبدو أن الولايات المتحدة قد اتخذت قرارها بعدم التخلي عن الأكراد في شرق الفرات، الأمر الذي قد يقود بها إلى تسليم منبج إلى المسؤولين المحليين بضمانات أميركية تركية متجاوزة في ذلك الطموحات الكردية إذ ان الولايات المتحدة ترى أنها ليست ملزمة بتحقيق كل ما يطمح إليه الأكراد خاصة وأن بعضا من طموحاتهم تهدد حليفا لها.‏

من الناحية الاستراتيجية والمنطقية، من غير المسوغ أن تعادي الولايات المتحدة حليفتها التركية بسبب مصالح وطموحات الأكراد، ذلك أن تركيا تمثل ثقلا اقتصاديا جعلها تأخذ المرتبة السابعة عشرة على مستوى العالم، وأن جيشها يعتبر ثاني أكبر جيش في حلف الناتو ويعد من أكبر القوى العسكرية في الشرق الأوسط. كما أنه يتعذر تزويد القوات الأميركية الموجودة في سورية والتي يتجاوز عددها بضعة آلاف بمستلزماتهم دون الاعتماد على الطرق البرية والجوية التي تمر عبر تركيا. وبذلك لن تتخلى واشنطن عن أنقرة في ضوء وجود مصالح مشتركة تربط بينهما.‏

ويضاف إلى ذلك بأن أية مواجهة مع إيران وتحقيق المنافسة الاستراتيجية مع روسيا والصين يتطلب بالضرورة وجود حلفاء للولايات المتحدة الأمر الذي سيحدو بها إلى الإبقاء على علاقاتها مع تركيا. بالإضافة إلى ما يكتنف تركيا من تحسب وخشية من روسيا لأسباب تاريخية وجغرافية. أما بالنسبة للصين فإن تركيا تمثل لها طريق الحرير. لكن العلاقة بين أنقرة وبكين قد سادها في الماضي الكثير من الخلافات الشائكة. ومع ذلك فإن ابتعاد تركيا عن الولايات المتحدة سيحقق فوائد جمة لكل من إيران وروسيا والصين.‏

إن حدوث شرخ في العلاقات الودية القائمة بين واشنطن وأنقرة نتيجة بعض الخلافات لن يفسد للود قضية، إذ ان المصالح التي تربط الطرفين تفوق أي خلاف يقوم بينهما، وبذلك فإن ثمة أرضية مشتركة بين الجانبين بشأن الأزمة في سورية وسيعمدان إلى رأب الصدع إن وجد أصلا.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية