تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


بعد تحريرهم من قبضة الإرهاب.. أهالي حرستا: نرتمي بحضن الوطن كطفل يحتمي بصدر أمه

سانا - الثورة
الصفحة الأولى
الأربعاء 28-3-2018
في عمر الحكمة لكن ذلك لم يمنع محمود اللبان أن يعيش لحظة تأثر شديدة ترك فيها العنان لجماح عاطفة جارفة وقد رأى خلاص مدينته حرستا شمال شرق دمشق تدخل في ظل جناح الجيش العربي السوري

وعادت مؤسسات الدولة إلى جنبات أحيائها التي تشكل وثيقة للتاريخ عن حجم الاعتداءات التي طالتها بعد أن استباحتها ما تسمى «حركة أحرار الشام» الإرهابية لسنوات ماضية مارس المسلحون على أهلها كل أشكال الإرهاب من التهجير والتجويع وإخفاء الأدوية وتجنيد أبنائها وإن كان ذلك لم يفقد (الحرستانيين) كما يقولون أملهم بأنهم عائدون الى حضن الوطن كطفل يلوذ بصدر أمه.‏

بزيه التقليدي وبصوت مخنوق وعينين اغرورقتا بدموع زادته هيبة يقسم اللبان متحدثاً لمراسلة سانا من حي السبيل في حرستا «والله بكيت» عندما رأيت رجال الجيش وسيارات محملة بالمواد الغذائية كتب عليها «سورية» تدخل حرستا..» وبجمل متقطعة يكمل» من زمان محرومين .. أحلى فرحة .. تحملنا الكثير من أجل مدينتنا».‏

اللبان الموظف السابق بالشركة الخماسية بقي مع 11 ولداً وابنة و43 حفيداً في حرستا فقد منهم ابنة وحفيدة استشهدتا جراء الهجمات المتكررة للإرهابيين وسيطرتهم على معظم احياء المدينة قبل استعادتها من قبل الجيش ويظهر تفاؤلاً بمستقبل مدينته رغم ما لحق بها من خراب وأضرار بالممتلكات العامة والخاصة «إن شاء الله إذا صار معاونة بترجع تتعمر من جديد».‏

وكمن ينتظر أحبة بعد غياب استقبلنا ماهر البيروتي في أحد شوارع حرستا محاطا بأطفاله الخمسة «الحمد الله يالي شفناكن عنا.. كتير انبسطنا وارتحنا» البيروتي الذي كان أحد الخياطين المعروفين في حارته يؤكد «كنا ناطرين الفرج من الجيش حتى نخلص من المسلحين» ملقيا نظرة خاطفة على أطفاله وقد ارتفعت حدة صوته «منعوا عنا الأدوية والمستودعات مليانة» متسائلاً «يقولون دولة إسلامية ومخبيين عن أطفالنا الدواء.. هم دولة إرهابية».‏

في شارع مجاور حيث سيطر الهدوء على المدينة جلس ياسر خباز أمام منزله مع طفلاته الثلاث يقول ان الإرهابيين احتجزوه وأسرته بعد أن اضطروا لترك منزلهم في حي برزة بدمشق قبل سنة.‏

خباز الذي كان يعمل حجاراً وبات اليوم ينتظر المساعدات الغذائية يقول: «كنا على أبواب إنجاز مصالحة محلية وتحييد حرستا عن العمل العسكري لكن المسلحين نقضوا الهدنة وعرضونا للموت مع أطفالنا».‏

طارق نجيب شاب معوق يجلس على كرسيه أمام بناء سكني يضم عائلته وأقارب له تحدث وابتسامة الفرج تعلو وجهه يقول «عشنا أياماً صعبة .. نقضي أغلب الوقت في القبو واليوم الله فرجها علينا وانتهى الكابوس».‏

أما عبد الكريم من حي كرم الطلعة معماري وفلاح فيصف ما عاشه مع والدته المريضة خلال تواجد الارهابيين بالمأساة وبنظرة تقطر منها المودة يردف قائلاً «كلنا أحباب .. ما في تفرقة بينا بعد الآن».‏

ثلاثة صبية بعمر ورود آذار بثياب قديمة وأياد وشعر متسخ أخفت للنظرة الأولى نضارة الطفولة جلسوا أمام باب حديدي ضاع لون طلائه على قطع اسمنتية تساقطت مبعثرة من جدار منزل مجاور بلال القففي 12 عاماً توقف عن الذهاب الى المدرسة منذ الصف الرابع لكنه يدرك ان التعليم أفضل من العطلة الطويلة «من زمان مارحت على المدرسة.. يالي بيعرف يقرأ افضل» ثم يتذكر أمراً «كنا نخاف يقتلونا يمرقوا بالسيارات ومعهم سلاح» شقيقه خالد القففي 15 سنة ترك المدرسة منذ خمس سنوات» كل وقتنا بالقبو .. ان شاء الله يفتحولنا المدارس» وماذا يريد ان يصبح في المستقبل يقول «طيان» أصحح له «طيار» يهز برأسه وقد ازهرت ضحكة بريئة بعينيه الخضراوين الناعستين الجميلتين.‏

ومن شق في الباب الحديدي خلف ظهور الاطفال كانت عينان تعبة وانامل كف رقيقة تدعونا للدخول بإلحاح شديد كأنه نداء استغاثة وبعد فتح الباب بشكل موارب وقفنا بين شهقات امرأة شابة هرمة انهاكاً وتعباً وألماً بردائها الطويل وبانفعال شديد تقطعه شهقات من البكاء الموجع قالت «الأولاد أمام الباب أولادي مات زوجي أول الأحداث وبنتي» تأخذ نفسا عميقاً قبل أن تعود للبكاء وتضيف «فرحنا.. خلصنا.. تحملنا» ثم ترمي برأسها على كتفي متمسكة بي وتقول «الله لا يسامحهن جوعونا كل الاكل والمواد يالي تبعتوها النا يخبوها.. يركضونا خلف السيارة من أجل صحن رز.. حلفت يمين لما تجو لعنا أحكي كل شي» تلتفت بعد ان تماسكت قليلا إلى عيون اطفالها الملتصقة بشقوق الباب تنظر الينا بذهول «أبوهن قبل ما يموت وصاني ديري بالك عليهن لازم يدرسوا». تتابع الأم لولو دغيم أم خالد بعد أن خف بكاؤها «بصراحة خوفونا منكن ..ثم تلهج بالدعاء «الله يخليلنا الرئيس ويحييه ويرفع راسه .. قلبي محروق والحق ظهر».‏

عندما استردت ام خالد طمأنينتها بعد التأكيد لها أن حرستا أصبحت آمنة والحياة الطبيعية عائدة والحكومة ستدخل كل ما يحتاجه الاهالي وأطفالها سيذهبون إلى المدرسة لم تعترض على الوقوف امام الكاميرا بالنقاب وأخذ صورة الى جانب اطفالها.‏

على رأس الشارع وقف أبو أحمد طاقية 65 سنة إلى جانب عدد من الرجال وما أن ألقينا السلام يبادر بالكلام» الحمد الله خلصنا من العصابات الارهابية» ويعلو صوته المبحوح ليصل حد الصراخ يقول أبو أحمد راعي غنم «الوطن غالي .. حرستا بلدنا وبلد أهلنا وجدودنا .. كلنا التراب والشعير كنا ضدهم بس مو طالع بيدنا شي بيدبحونا».‏

ويضيف أبو احمد الذي يعيش في حرستا مع أسرته صبيان وثلاث بنات وحفيد قادم خلال أيام» كان لدينا قطيع من الغنم والآن لم نعد نملك شيئاً فقدناه على القليل من الطعام بأعلى الاسعار كيلو الرز بـ17 الف ليرة وربطة الخبز بـ 3000 ليرة وكان عنا بيت وراح».‏

نسوة بخطا متعثرة يجتزن شارعاً اختفى رصيفه ومعالم قميصه الاسفلتي بما تكدس عليه من ركام تاخذهن المفاجأة بوجودنا و بين الدمعة والابتسامة يتدفق فيض حديث عما تسبب به الارهابيون من ظلم ومعاناة وقعت على الاهالي من دون رحمة .. يواصلن سيرهن بثقة حيث توقفت سيارات محملة بالمواد الغذائية لاستلام حصصهن.‏

بعد خلوها من الارهاب بإخراج المسلحين وعائلاتهم الرافضين للمصالحة الى إدلب إثر عملية عسكرية للجيش أرغمت المسلحين على الاستسلام تتحضر حرستا للنهوض بأهلها من تحت الركام راسمة صورة أخرى من الصمود تضيفه إلى مدن سورية في ملحمة إرادة الحياة وصناعة التاريخ المشرف.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية