تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


سينما.. أن تحيا عزلتك..كشفاً لمفردات وجودك

ثقافة
الأحد 15-7-2018
لميس علي

تقول: «البرية، أو بمعنى آخر الحياة مع الطبيعة هي اللحظة الأكثر صدقاً في الحياة، أو هكذا أراها»..

وأجيب: «هي الأكثر صدقاً لأنها الأكثر كشفاً للذات، لعمق الذات».. ولكن وبالوقت عينه ألا نحتاج وجود الآخر لمعرفة ذواتنا..؟‏

كيف يمكن تحصيل التوازن بين هذه وتلك.. أي بين عيش العزلة الاختيارية مع الطبيعة انتقاءً لصفاء النفس ومعرفة الذات، وبين معرفتها في عين الآخر..؟‏

بكثير من البساطة، يمكن أن يتمّ تقطيع هذه بتلك أو تحقيق حالة تناوب بين العيشين..‏

هل نحصّل بذلك التوازن، داخلياً ونفسياً..؟‏

في كتاب «فن العيش الحكيم، تأملات في الحياة والناس»، يرى أرتور شوبنهاور أن المرء لا يكون مطابقاً لذاته إلا إذا كان بمفرده.‏

في العزلة، ثمة حالٌ من تناقض الرؤية لها، وتلقيها وفقاً للناظر إليها أو للشخص العائش في غمارها، برأيه فإن «البائس يستشعر بؤسه، وبكل جوارحه، في عزلته التي لا يطيقها جراء ذلك، كما يستشعر الراقي عظمته وسموه بكل جوارجه أيضاً في وحدته»..‏

ذلك أن حالاً من تناغم مكونات الذات مع بعضها، وجلاء النظرة إلى قعر أنفسنا في خلواتنا ما يضيئ شيئاً يخبو بوجود ضوضاء الآخرين وصخب الأشياء من حولنا.‏

ويجعل شوبنهاور جودتنا مرتبطة بمدى تقبّلنا للعزلة التي هي ميزانها وفق تعبيره.. وبالتالي كلّما أحسنّا من صنع عزلتنا كلّما تحسن مستوى جودتنا.. أي الجودة بصنع حياة على مقاس وعينا بـ(أنواتنا) وشخصياتنا.‏

متى تتفتّح بذرة ذاك الوعي بذواتنا..؟‏

هل تتشكل وفق محيطنا الصاخب.. أم وفق الإصغاء لصوت دواخلنا..؟‏

والأهم.. متى نتعلّم أو نعي، بدقة، الإصغاء لصوتنا الداخلي..؟‏

لعل العزلة، سواء أكانت اختيارية أم قسرية، تمنحنا بعضاً من الإنصات لأشياء دفينة مستقرة في عمق وعينا ولاوعينا، هكذا يمكن لها عفو الخاطر أن تظهر وتفاجئنا.. وربما عرّفتنا على مقدرات وإمكانيات كانت مخبأة كما حصل مع (تشاك، توم هانكس) في فيلم (منبوذ، Cast away)، ويمكن لهذه المقدرات أن تجاري الطبيعة والبرية في عنفوانهما كما في فيلم (العائد، The revenant) الذي أظهر بطله (هيو، ليوناردو دي كابريو) أكثر ضراوة وشراسة من مختلف أشكال قسوة الطبيعة.‏

بهذا المعنى يمكن للبرية، فعلياً، أن تكشف عن مناطق بريّة، غير مشذبة، داخلنا، وبذات الوقت، يمكن لها أن تحمل القدرة على تطهير أنفسنا وإكسائها ثوب الخير والنقاء، كما حاول بطل فيلم (إلى البرية، Into the wild) المضي إلى الطبيعة، واستقصاء كوامنها وكما لو أنه يستقصي أبعد نقطة في أغوار نفسه، ترويضاً لوحشه الداخلي.. وبالتالي تلقفه لما يمكن لجماليات «البري» أن تكون عليه..‏

ان تكون بريّاً وفق معاني الفيلم، يعني أن تتشذّب وفق منطق الطبيعة بلا قواعد ولا قوانين ضابطة، دون أن يعني الأمر خرقاً لتفانين تفتّحِ وعيك بمكامن جمالك الداخلي الخاص بك وحدك..‏

وكأنما تتصادى جماليات الطبيعة، لتنعكس نهايةً جمالاً في الناظر إليها والمتأمل لها.. بهذه الطريقة تعلّمنا قراءة مفردات وجودنا بأبهى هيئاته.. ولهذا كان «الراقي»، كما رأى شوبنهاور هو ذاك الذي يستشعر عظمته وسموّه بوحدته، وتماماً هو ما تعلّمنا إياه الطبيعة/البرية.‏

lamisali25@yahoo.com

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية