تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


العباراتُ الاصطلاحيّة

إضاءات
الأحد 15-7-2018
د. ثائر زين الدين

في تسعينيّات القرن الماضي، عندما كنتُ أترجمُ نَصّاً أدبياً روسيّاً إلى العربّية وأعجزُ عن نقلِ بعض التراكيب التي يمكن أن نسميها عبارات اصطلاحيّة كنتُ ألجأُ إلى أستاذتي الدكتورة يلينا سيرغيفنا سائلاً: ما معنى « لا وبر ولا ريش... إلى الشيطان..»؟

ما معنى «لا يستطيعُ أن يَحبكَ أغصانَ الزيزفون»؟.. ما معنى «ولدَ بقميص..»؟ وكانت تشرح لي ما تعنيهِ تلكَ الجُمل وسواها..‏

حتى كان مساءٌ من مساءاتِ عام 1991 حين زارتني وهي تَحْمِلُ معُجماً ضخماً تكادُ يداها الرقيقتان تعجزانِ عن تثبيتِهِ.. « قالت هذه هديتي لك.. إنهُ معجم العبارات الاصطلاحّيِة» وعلمتُ أن هذا المعجم القّيم الذي لا تُذكرُ عبارة اصطلاحّية نابعة من المجتمع الروسي أو قادمة إليه إلا وتجدها فيه وضعَهُ نخبة من اللغويين الروس منذ مُدةّ ليست قصيرة؛ ويعملونَ دائماً على تطويره.. وحزنتُ يومها كثيراً أن الدول العربيّة كلها لم تلتفت إلى هذهِ المسألة، وما وضَعَ النُحاةُ العربُ مُعجماً مُشابهاً؛ ولماذا أقولُ معجماً مُشابهاً؟! وهل وضعوا معاجم جديدة حديثة تواكبُ تطوّر العربيّة؟! ويستطيعُ الإنسان أن يعودَ إليها بيسر؟! ألسنا نعاني حتى اليوم من التعامل «مع لسان العرب»، و»تاج العروس» وسواهما، وهي معجمات وقفت عند زمن معيّن بكل معنى الكلمة..‏

العباراتُ الاصطلاحيّة أيّها الأعزاء هي تراكيب صيغت وفق أسلوب المجاز بأشكالِهِ المختلفة وقد عرفتها لُغتُنا - مثل غيرها - منذ القدم، فحتى الآن نقول: «اختلطَ الحابلُ بالنابل» و»ألقى الحبل على الغارب» وما شابه، لكنّ لغتنا عَرَفت عشرات، بل مئات العبارات الجديدة التي أسهمتِ الترجمةُ في دخولها إلى فضاء العربيّة كأن نقول:» تبييضُ الأموال» و»تدوير الزوايا» و»غسيل الأدمغة» و»الثورات الملّونة» و»الثورات المخمليّة» و»الثورات البيض» و»تصفير الأزمات» وغيرها وغيرها.‏

ويحاولُ مجمعا اللغة العربيّة في دمشق والقاهرة مُجاراة ما يقذفنا به العصر من تلك العبارات، فيجيزُ استخدام هذهِ العبارات. وصدرت في هذا السياق بعض المعجمات الصغيرة في السنوات الأخيرة بجهود فرديّة ولكنها غير كافيّة، ولقد أسعدني ما أخبرني به الأستاذ المجمعي د. ممدوح خسارة منذ أيام من أن مجمع العربيّة في دمشق ينهضُ بعمل شاملٍ ضخم يحملُ عنوان «معجم العبارات الاصطلاحيّة في العربيّة المعاصرة» وسيشتمل على نحو ستة آلاف عبارة في أكثر من ألف صفحة وسيكون ثلاثيّ اللغات (العربيّة والإنكليزيّة والفرنسيّة)، وهو لعمري عملٌ رائع سيكونُ عوناً للدارسين والباحثين، بل لعامة الناس في فهم دلالات العبارات الاصطلاحيّة التي لا تسعفهم المعجمات اللغوية الحالية بمعانيها، وقد استغرق العمل على هذا المعجم نحو ست سنوات وهو الآن في طور التنضيد!‏

مما يَسدُّ ثغرةً في هذا المجال، متمنين على أساتذتنا في المجمع المذكور متابعة جهودهم الجميلة لخير العربيّة والناطقين بها.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية