تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


في تقييمٍ شامل لاستثمارات القطاع الخاص السوري خلال ربع قرن.. هيئة التخطيط والتعاون الدولي تضع النقاط على الحروف «2 من 5».. السنوات الماضية شهدت بروز ثقافة استثمارية احتكارية عمّقت الآثار السلبية على المستوى الاقتصادي فانخفض الناتج وهبط النمو

دمشق
الثورة
اعمار
الاثنين 9-7-2018
في الحلقة السابقة من هذا الملف الاستثماري، الذي أعدّته هيئة التخطيط والتعاون الدولي، حول استثمارات القطاع الخاص منذ العام 1991 إلى العام 2016، استعرضنا رؤية الهيئة للواقع الاستثماري فيما بين العامين / 1990 – 1995 / وأشرنا إلى أن القطاع الخاص

‏‏‏

استغلّ قانون الاستثمار رقم 10 لعام 1991 بشكلٍ أو بآخر، وانحاز باتجاه الاستثمار بمشاريع تحقق له الأرباح الكبيرة والسريعة، فنمت المشاريع الاستهلاكية، على حساب المشاريع المنتجة، وبالتالي كانت المكاسب كبيرة للتجار على حساب الصناعيين.‏‏‏

ومع هذا فإنّ هيئة التخطيط لم تُبرّئ ساحة الصناعيين أيضاً، فهم كذلك الأمر، اتجهوا نحو الصناعات التي اعتقدوا أنها تحقق لهم الربح السريع والكبير، فاعتمدوا على إقامة صناعات تحويلية خفيفة وهامشيّة، وكادت الهيئة أن تقول في دراستها، إنه لا طعم ولا لون ولا رائحة لتلك الصناعات المتعثرة في أغلبها، ولكنها قالت:‏‏‏

توجهت النسبة الكبرى من الاستثمارات في الصناعة التحويلية، إلى المشاريع الصغيرة، والصناعات ذات الطابع الهامشي، كالجمع وإعادة التعبئة والمزج، والصناعات الاستهلاكية البسيطة، كالمنظفات، والبلاستيك، والدهانات، والأقمشة، والمنسوجات، وجميعها من طبيعة المشاريع القليلة المخاطرة والسريعة الربح، والتي عانت لاحقاً في سوق كان أهم ميزاتها أنّها داخلية وضيقة، وهذا ما أدى بها إلى التراجع أو التوقف، وبالمقابل كانت نسب التنفيذ منخفضة، في صناعات مواد البناء، والصناعات المعدنية الأساسية، والمعدات.‏‏‏

إلى جانب ذلك، فلم يكن التوزّع الجغرافي متوازناً، حيث توصّلت الهيئة في نتائج دراستها إلى أنَّ أغلبية المشاريع الاستثمارية تركّزت في المحافظات الكبرى ( دمشق، ريف دمشق، حلب ) وبالتفاصيل أوضحت الدراسة أنّه وعلى صعيد التوزع الجغرافي للمشاريع المنفذة بين المحافظات، أو المناطق ضمن المحافظة، سواء أكانت على قانون الاستثمار رقم 10 / 1991 أم غيره، فقد استحوذت المحافظات والمناطق الجاذبة تقليدياً دمشق، حلب، ريف دمشق، والى حدٍّ ما حمص، على النسبة الكبرى من الاستثمارات.‏‏‏

واستنتجت الدراسة مسالب أخرى للصورة الاستثمارية، حيث امتازت بعدم التوجه نحو الصناعات الوسيطة، نتيجة صعوبات تتعلق أهمها بالتمويل اللازم، كما تعددت الجهات الناظمة للاستثمار، وكثرت الإجراءات والمعاملات، مع طول المرحلة الزمنية اللازمة للترخيص، وعدم تطبيق اللامركزية، وتعارضها مع بعض التشريعات، وتوصّلت الدراسة إلى أنّ هناك ضعفاً في الطلب المحلي الفعال، وعدم قدرة السياسات الاقتصادية على زيادته، وعدم التكامل بين السياسات المتبعة.‏‏‏

وحول هذا الاستنتاجات التي خلُصت إليها الدراسة، تبيّن للهيئة أنّه وفيما يتعلق بالشكل القانوني للمشاريع المنفذة، تشير البيانات والواقع الفعلي للتنفيذ، إلى العدد الكبير من المؤسسات الفردية، على حساب الشركات المساهمة، ومن ثمّ إلى انخفاض حجم وديناميكية الاستثمارات المستقطبة مقارنة بميزات الشركات المساهمة، وخاصة في مجال حشد الموارد والمدخرات الصغيرة منها والمتوسطة والكبيرة، إضافة إلى استخدام التكنولوجيا والتوظيف، والآثار الاجتماعية لتوزيع الأرباح.‏‏‏

لقد اتخذ شكل الشركات المنفذة مع الاستثمار العربي والأجنبي، طابعاً فردياً، ولم يتعداه إلى خلق شراكات مع شركات من الحجم المتوسط أو الكبير، أو المتعددة الجنسية، إنّ الطابع الفردي لهذه الشراكات – تقول الدراسة – يفقدها أهم خواصها المتمثل في نقل التكنولوجيا، ومن ثمّ توطينها، والتدريب، والتصدير.‏‏‏

ويشير تحليل الإنتاجية الحدية لرأس المال الخاص، خلال هذه المرحلة، إلى تحسن نسبي، مقارنة بالسنوات الخمس الأخيرة من عقد الثمانينات، إلا أنّ أثر هذا التحسن على عامل استدامة النمو الاقتصادي، كان محدوداً، وبخاصة مجمل إنتاجية عوامل‏‏‏

الإنتاج ( Total Factor Productivity ) ويظهر ذلك في الاتجاه العام الذي أخذه معدل نمو إنتاجية عوامل الإنتاج، ومن ثمّ مساهمتها في النمو الاقتصادي.‏‏‏

كما إن مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي خلال هذه المرحلة، لم تتغير جوهرياً عن المراحل التي سبقتها أو المراحل اللاحقة، وإنّ مساهمة ناتج قطاع الصناعة التحويلية الخاص، في مجمل ناتج القطاع الخاص، وفي الناتج المحلي الإجمالي، لم يسجل تغيراً يذكر.‏‏‏

ورأت الهيئة أنّ هذا الوضع فيما يخص الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج، يفسر بأن كفاءة إدارة العملية الإنتاجية، ومستوى التكنولوجيا المستخدم، إضافة إلى نوعية النشاطات، التي جرى الاستثمار فيها، وطبيعة وحجم المنشآت المقامة، لم تكن على المستوى المطلوب لتحقيق عوامل الاستدامة في النمو الاقتصادي.‏‏‏

ويضاف إلى ذلك أن معدلات البطالة عموماً ارتفعت خلال هذه المرحلة من 5.9 % في عام 1990 إلى 9.7 % في عام 1995.‏‏‏

واستنتجت الهيئة أنّ الملاحظة التي يمكن سوقها هنا تتعلق بالقفزة الهائلة للتكوين الرأسمالي في وسائط النقل، حيث ارتفعت هذه النسبة من إجمالي التكوين النوعي من 5 % في عام 1990 إلى 20 % في عام 1995، على حساب المكونات الأخرى للتكوين الرأسمالي، ذلك أنّ وسائط النقل هذه، كانت في معظمها غير منتجة.‏‏‏

المرحلة من 1996 إلى 2000‏‏‏

اعتبرت الدراسة أن قانون الاستثمار رقم 10 / 1991، أخذ يستنفذ دوره سريعاً في هذه المرحلة، حيث بدأت الاستثمارات الخاصة بالتراجع منذ العام 1995 مقارنة بالعام 1994، واستمر الانخفاض في حصة الاستثمارات الخاصة من 52 % في عام 1996 إلى 36% في عام 2000، وهذ الانخفاض شمل جميع الأنشطة، غير أنّ الانخفاض الحاد كان في عام 1997 مع بداية أزمة الركود، ولكن الاستثمارات الخاصة شهدت تحسناً في عام 1998، لتعود إلى الانخفاض في عام 1999، ثم تتحسن تدريجياً في عام 2000.‏‏‏

ولاحظت الهيئة أنّ قطاع المال والتأمين والعقارات، عاد ليحصل على أعلى نسبة من إجمالي استثمارات القطاع الخاص، حيث بلغت هذه النسبة 37 % على الرغم من تراجع حجمه التدريجي، ومعدلات نموه السالبة، في جميع سنوات هذه المرحلة، يليه قطاع النقل والمواصلات بـ 15 %، ثم قطاع الزراعة بـ 11 %، أما التراجع الأكبر فكان في قطاع الصناعة التحويلية والاستخراجية، مقارنة بالمرحلة السابقة، حيث بلغت حصة الصناعة التحويلية 11 % مقابل 3 % فقط للصناعة الاستخراجية، من إجمالي استثمارات القطاع الخاص.‏‏‏

وتراجع عدد المشاريع المشملة بالقانون رقم 10 / 1991 إلى 357 مشروعاً فقط، مقارنة بالمرحلة السابقة، وبكلفة استثمارية إجمالية مقدارها نحو 55 مليار ل.س. وتركزت غالبية هذه المشاريع في قطاعي النقل والصناعة ( 186 مشروعا في قطاع‏‏‏

النقل، و 163 مشروعا في قطاع الصناعة ) وبلغ عدد المشاريع المنفذة خلال هذه المرحلة 286 مشروعاً منها 137 مشروعاً في الصناعة، و 143 مشروعاً في النقل، و 6 مشاريع في القطاعات الأخرى.‏‏‏

وبيّنت هيئة التخطيط والتعاون الدولي، في دراستها الشاملة، أنّ نسب تنفيذ إجمالي المشاريع المشملة، بموجب القانون رقم 10 / 1991 من عام 1991 إلى عام 2000، قد وصلت إلى 77 % وفقاً لتقارير هيئة الاستثمار السورية، أما مشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر، المشملة بموجب هذا القانون خلال هذه المرحلة، فقد وصلت إلى 24 مشروعاً بكلفة 5856 مليون ل.س، موزعة إلى 20 مشروعاً للصناعة، و 1 للزراعة، و 2 للنقل، و 1 أخرى، في حين بلغ حجم الاستثمار الأجنبي المباشر الإجمالي، الداخل إلى سورية خلال هذه المرحلة 784 مليون دولار، أي ما يعادل 37 مليار ليرة سورية، ويشكّل قرابة 11 % من حجم الاستثمار الخاص كمتوسط خلال المرحلة المذكورة.‏‏‏

وقالت الدراسة أنه على الرغم من غياب البيانات التفصيلية عن واقع تنفيذ المشاريع عموما، فإنّه يمكن – بمقارنة البيانات الصادرة عن المصرف المركزي، ميزان المدفوعات – بيان أنّ 73 % من مشاريع الاستثمار الأجنبي المنفذة في عامي 1999 و 2000 كانت في صناعة الغاز، وأنّ 20 % من المشاريع المنفذة في القطاعات الأخرى، وغير المشملة على القانون 10 / 1991، هذا بافتراض أنّ جميع المشاريع التي شملت قد جرى تنفيذها، والا فإن نسبة المشاريع المنفذة خارج إطار القانون رقم 10 / 1991 ستكون أعلى بكثير، مع الإشارة إلى أنّ نسبة مشاريع الاستثمار الأجنبي في قطاع الغاز تتجاوز 70 % من إجمالي مشاريع الاستثمار الأجنبي، وتصل في بعض السنوات إلى 80 %.‏‏‏

لقد عجز القانون رقم 10 / 1991 عن جذب القطاع الخاص للاستثمار على النحو المرغوب، وفي القطاعات والأنشطة الاقتصادية، التي يمكن لها أنّ تضمن استدامة النمو الاقتصادي، كالصناعة التحويلية على سبيل المثال لا الحصر، وهذا ما أدى في المحصلة النهائية إلى خسارة جزء هام من الموارد الضريبية الضرورية لتمويل التنمية، وعدم قيام أي محاولة جدية للقطاع الخاص، لإنشاء وتطوير قطاع صناعي منافس.‏‏‏

وبدأ الاقتصاد السوري يدخل في مرحلة ركود مديد نسبياً – تقول الدراسة – منذ عام 1997 مع تراجع دور القطاع الخاص، المترافق مع السياسة الانكماشية للمالية العامة، خلال هذه المرحلة، وكان السبب الرئيسي لانخفاض الاستثمار الخاص، يعود إلى عدم توفر المناخ الاستثماري المشجع، حيث أن صدور القانون رقم 10 / 1991 كان من المفروض أن يترافق مع مجموعة من الإصلاحات، التي لم يتم استكمالها، وهو ما أدى للوصول إلى حالة من إضعاف حوافز الاستثمار المحلي، وتشويه أشكاله، نتيجة عدم المتابعة الجدية، في نهج يفضي إلى تعزيز مناخ الاستثمار، ومعالجة الثغرات في تطبيق القانون، وتوجيهه نحو القطاعات المنتجة، في حين بقيت زيادة معدلات الادخار، لم تترجم زيادة في الاستثمار، نظراً لقصور القطاع المصرفي، عن تحويلها إلى الاستثمار عبر إقراضها، كل ذلك انعكس على القطاعات الإنتاجية المختلفة – تقول الدراسة – ومنها القطاع الخاص.‏‏‏

وأشارت الهيئة إلى أنّ الشكل القانوني، أو حجم وطبيعة المشاريع المنفذة عن المرحلة السابقة، لم تتغيّر، كما لم يحصل أي تحسن على حالة مشاريع الاستثمار الأجنبي، إضافة إلى سيادة التوزع الجغرافي التقليدي للمشاريع المنفذة.‏‏‏

ومع استمرار الظروف التي سادت خلال المرحلة السابقة 1991 - 1995، بل والتراجع في مكونات البيئة الاستثمارية، الذي عززته المشكلات المترافقة مع تطبيق القانون رقم 10 / 1991، وخاصة فيما يتعلق بتعدد الجهات العامة، المعنية بقضايا الاستثمار، وانخفاض مستوى التنسيق فيما بينها، والمشكلات الناجمة عن الثغرات في نص القانون، وفي ظلّ استمرار ثقافة استثمارية، تعزز الاحتكار بأشكال مختلفة، تعمقت الآثار السلبية على المستوى الاقتصادي خلال هذه المرحلة، فقد انخفض الناتج المحلي الإجمالي في العام 1999 بنحو 4 نقاط مئوية عن العام السابق، ولم يتجاوز معدل النمو الـ 1 % في العام 2000، واتخذ النمو الاقتصادي خلال هذه المرحلة مساراً هابطاً بدءاً من العام 1996.‏‏‏

أمّا المؤشرات الأخرى المتعلقة بالإنتاجية، فقد تراجعت، وارتفع معدل البطالة بمقدار نقطتين مئويتين في المتوسط، خلال المرحلة، عن المرحلة السابقة، بل إنّ مساهمة الاستثمار الخاص في النمو الاقتصادي، لهذه المرحلة، أصبحت سالبة وبمعدل 12% في المتوسط.‏‏‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية