تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


لماذا فشلت الليبرالية؟

ملحق ثقافي
2018/6/26
حاتم حميد محسن

تتطلب الفردية الليبرالية انحلال الثقافة، وعندما تضمحل الثقافة تدريجيا يتآكل العملاق وتختفي الحرية المسؤولة. (من كتاب لماذا فشلت الليبرالية للكاتب باتريك دينين، ص 88).

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

كتاب باتريك دينين شديد التشاؤم، أطروحته باختصار تؤكد على التالي:‏‏

1- الليبرالية هي فلسفة استخدمها الغرب لبناء المجتمعات.‏‏

2- لا يمكن الحفاظ على ديمومة الليبرالية لأنها تقدّس الفردية التي تُضعف القيم الثقافية والأخلاقية المطلوبة لكي يعيش الناس مجتمعين بانسجام.‏‏

3- حاجتنا لمثل هذا الانسجام يقود الناس للسماح بتعاظم سلطة الحكومة والمؤسسات الاقتصادية كبيرة الحجم.‏‏

4- الحكومة والمؤسسات الاقتصادية كبيرة الحجم تُضعف الحرية الفردية التي تزعم الليبرالية أنها جاءت لترسيخها.‏‏

لكي نوضح، سنستخدم موقفاً افتراضياً نلجأ فيه لطلب مساعدة اليد القوية للحكومة.‏‏

لو كنت تعيش في الطابق السادس من بناية ذات 15 طابقاً في وسط مدينة كبيرة. كان لديك موعد في الصباح الباكر ليوم غد، لذا أنت بحاجة لنوم كاف قبل ذلك الموعد. أحد الجيران كانت لديه حفلة، والموسيقى الصاخبة تنطلق من بيته. أنت حاولت النوم لكنك لم تستطع، وأخيراً اتصلت بالشرطة. قبل 200 سنة لا يمكن أن تحصل مثل هذه المشكلة. الناس بدلاً من أن يعيشوا متلاصقين إلى بعضهم، كانوا في السابق يعيشون في القرى في بيوت منفصلة عن الجيران. كل واحد يعرف الآخر بحيث أن جارك على اطلاع بأهمية الموعد لديك، وأنت أيضاً تكون على دراية بالحفلة المخططة بحيث أنكما تستطيعان التفاوض على تسوية معقولة. أخيراً، إذا فشلت كل تلك الجهود، فأنت تعرف معظم الحاضرين في الحفل، تستطيع طرق الباب والطلب منهم خفض صوت الموسيقى.‏‏

النقطة هنا في هذا المثال هي أن المجتمع قد تطور، أصبحنا في حالة متزايدة من الاعتماد المتبادل، وأصبحنا أقل حجماً (ذرات منعزلة). أصبحنا أكثر اعتمادية لأننا أكثر تخصصاً ضمن وحدات اجتماعية كبيرة مثل المدن والأسواق العالمية والمباني العملاقة. نحن أصبحنا أصغر حجماً لأن الروابط الاجتماعية في القرية والعائلة جرى استبدالها بعلاقات أضعف وأكثر تبايناً خلقتها ارتباطاتنا المهنية وعاداتنا ومصالحنا.‏‏

لذا، نحن نستدعي البوليس للتعامل مع الصوت الصاخب في الحفل. في هذا الشأن الكاتب ليس أول من يقترح بأنه عندما تضعف المؤسسات الثقافية فإن الحكومة تميل للتوسع لتلبية الحاجات الاجتماعية.‏‏

لكن ما يريد المؤلف قوله هو أننا نستدعي البوليس لأن الليبرالية فشلت كفلسفة. الليبرالية تتجاهل بالضرورة القيم والمؤسسات الثقافية التي يمكنها أن تساعدنا لنعيش بانسجام.‏‏

يذكر المؤلف أن الليبرالية تصورت الناس كأفراد ذوي حقوق يستطيعون متابعتها لأجل الحياة الجيدة... ويضيف، أن الليبرالية جاءت لتعزز مساواة أكبر ولكي تدافع عن النسيج التعددي لمختلف الثقافات والعقائد ولحماية احترام الإنسان وتوسيع الحرية (ص3). ما يعارضه المؤلف هو ليس هذا المبدأ الشمولي والمهم لليبرالية وإنما الطريقة التي طورتها الليبرالية في تفسير وتطبيق ذلك المبدأ. هو يكتب: حاجتنا إلى الليبرالية تكمن في استمراريتها بالالتزام العميق بالتقاليد السياسية الغربية وخاصة الجهود لضمان احترام وحرية الإنسان من خلال كبح الاستبداد والحكم الأوتوقراطي والقمع. في هذا الشأن تُعتبر الليبرالية مرتكزة على الالتزامات السياسية الضرورية التي طُورت عبر قرون في الفكر الكلاسيكي والمسيحي وتطبيقاته. غير أن ابتكارات الليبرالية حالت دون بلوغ التزاماتها المعلنة(ص19).‏‏

طبقاً للكاتب، الفلاسفة الكلاسيك ركزوا على أهمية الأخلاق. الأفراد يجب أن يمتلكوا فضيلة الكبح الذاتي لكي يعملوا جيداً في العوالم الفردية. هم يجب أن يمتلكوا فضيلة مدنية لتكون لديهم جاليات مزدهرة. الليبرالية كما يرى المؤلف لا تحترم هذه الحاجة للفضيلة.‏‏

إن التأكيد الكلاسيكي على الفضيلة وغرس قيود الذات، اعتمد على تعزيز المعتقدات والهياكل الاجتماعية المنظمة بكثافة من خلال الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعائلية. ما اُعتبر كدعم جوهري للتدريب على الفضيلة – ومن ثم كشرط مسبق للتحرر من الاستبداد- نُظر إليه كمصدر للقمع والأوتوقراطية والتقييد(ص25).‏‏

أعداد متلاحقة من المفكرين في العقود والقرون الماضية كانوا يعيدون تعريف الحرية كتحرير للإنسان من السلطات القائمة وانعتاق من الثقافة والتقاليد العشوائية وتوسيع لسلطة الإنسان وسيطرته على الطبيعة من خلال التقدم العلمي والازدهار الاقتصادي (ص27).‏‏

يقول المؤلف إن الليبرالية ابتعدت عن القيم الكلاسيكية والمسيحية. ما كان جديداً في هذا الأساس الفاشل في تقييم المؤسسات والمجتمع والعضوية في الاتحادات وحتى العلاقات الشخصية أصبح خاضعاً لاعتبارات الخيار الفردي المرتكز على حسابات المصلحة الذاتية وبدون اعتبار أوسع لتأثير خيار الفرد على الجماعة، والتزاماته نحو النظام ومن ثم نحو الله(ص33).‏‏

يرى الكاتب أن الديمقراطيات الغربية هي في مأزق ترزح فيه تحت اللامساواة المتزايدة وفقدان الثقة في الحكومة وتفكك النسيج الاجتماعي وانقسامات سياسية حادة. سبب هذه الكوارث برأي الكاتب هو الحداثة ذاتها. صعوبات اليوم هي نتيجة حتمية للأفكار المعيبة لمفكرين مثل ميكافيلي وفرنسيس باكون وهوبز وديكارت وجون لوك الذين وضعوا دعائم التنوير والديمقراطية الليبرالية الحديثة. هؤلاء المنظرون يرى الكاتب أنهم رفضوا الجهود الكلاسيكية والمسيحية الرامية لتعزيز الفضيلة وبدلا من ذلك بنوا نسختهم العلمانية للسياسة على رؤية عملاقة للفرد المتحفز بالفخر والأنانية والجشع والبحث عن المجد. وعلى هذا الأساس تنامت قوة الديمقراطيات الغربية وتعاظمت ثروتها لكنها أيضاً شهدت النتائج المدمرة للمصلحة الذاتية. الروابط الاجتماعية والقيم التقليدية اختفت، والمواطنون يشعرون بأنهم مهددون من تنامي قوة الدولة. الكاتب يرى بضرورة العودة إلى الوحدات الصغيرة كالعائلة والكنيسة والجاليات المحلية. حماية عالم الحياة الخاصة والمجتمع المدني هذا هو بالضبط ما سعت إليه الليبرالية .‏‏

يرى الكاتب أن إيمان الليبرالية بالسوق الحر وبالحكومات الدستورية وبالعلم قادنا للتسامح وحتى تشجيع سلوك المصلحة الشخصية الخالصة من جانب الأفراد. نحن نثق بأن التكامل الاقتصادي سيأتي من الحوافز التي تعمل في السوق الحر. أما التكامل السياسي كما يرى البعض سيتم ضمانه بفصل السلطات..‏‏

في ادّعائه بفشل الليبرالية يشير الكاتب إلى عدة ظواهر:‏‏

1- زيادة تركيز السلطة السياسية لدى موظفي الوكالات الحكومية غير المنتخبين.‏‏

2- لا مساواة اقتصادية حادة.‏‏

3- هبوط في نسبة طلاب الجامعات الذين يدرسون العلوم الليبرالية وهبوط حاد في نوعية تلك الكورسات.‏‏

4- التكنولوجيا تهدد لتكون سيداً علينا بدلاً من خادم لنا.‏‏

5- الكوارث البيئية.‏‏

أشار الكاتب إلى أن نجاح حملة ترامب الانتخابية وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي علامة على أن النظام الليبرالي فقد إعجاب الرأي العام. لكن هذا الانتصار لم يأت ضمن نقاط الفشل التي حددها الكاتب أعلاه، حملة ترامب وبريكست بُنيت على مسائل الهجرة.‏‏

في كتاب «فضائل البرجوازية» للكاتبة Deirdre N.McCloskey الذي نُشر عام 2006 تشير فيه: إن نوعية الحياة الحالية هي أفضل من حياة أجدادنا. المرأة الفلاحة الايرلندية التي كانت تحرث لزراعة البطاطا عام 1805 أو الفلاح النرويجي في عام 1800 أو البنت الأمريكية لفقير إنجليزي عام 1795 كلهم عاشوا حياة قصيرة وقاسية وأكثرهم لا يستطيع القراءة. الكاتبة رفضت الادّعاء بان الليبرالية أضعفت الشخصية الإنسانية. فهي تقول إن العرق الإنساني مليء بالعيوب الأخلاقية ولكن هذا حصل أيضاً أيام الكلاسيك الإغريق وأوروبا المسيحية.‏‏

بناء على ما تقدم لا نستطيع الاعتراف بأن الليبرالية فشلت لكنها بالتأكيد تبدو تمر بمشاكل صعبة ونحن لانزال بإمكاننا التساؤل عن سبب ذلك. المركز السياسي يبدو ضعيفا في العديد من الدول الغربية. الأحزاب التقليدية الكبيرة أصبحت غير قادرة على تكوين تحالفات في ألمانيا وإيطاليا.‏‏

الناخبون يكثفون باستمرار دعمهم للأحزاب الجديدة وللحركات الصغيرة . بعض مقترحات الكاتب للإصلاحات ربما مفيدة. فهو يرغب ببناء حكومة جاليات ومؤسسات وسيطة أخرى لتقليل حجم السياسات المقررة في مستوى الحكومة المركزية. نجاح الدول الصغيرة مثل سنغافورة أو الدول الاسكندنافية يبين أن الحكومة لا تحتاج إلى دوائر انتخابية كبيرة الحجم لكي تكون فعالة. سويسرا ذات الـ 8.4 مليون شخص لها نظام فيدرالي تناط به المسؤوليات في مستوى الإدارات المحلية (الكانتونات) والذي هو مشابه لما في الولايات المتحدة.‏‏

أفكار الكاتب ليست كلها جيدة . هو يفضل الاقتصاد المحلي وهو أمر يبدو أكثر كلفة مقارنة بالفوائد، لأننا حالياً نعتمد بكثافة على التخصص والتجارة. في الاقتصاد المحلي ربما سنعود إلى استخدام الأشياء البدائية القديمة.‏‏

إن الخوف الرئيسي على مستقبل الليبرالية يكمن في ميول خطاب الرأي العام. يبدو أننا نصبح أقل تسامحاً مع من لا نتفق معهم. الناس يتحدّون خصومهم، يسخرون من ذكائهم ويتجاهلون حقهم بالاستماع إليهم. من الصعب القبول بهذا السلوك السياسي المتضاد مع قيم الليبرالية. الكاتب يتهم المدافعين عن الليبرالية بمحاولة حل مشاكل الليبرالية بمزيد من الليبرالية. نعتقد أنه لو جلبنا الليبرالية الحقيقية للنقاشات السياسية عندئذ سنكون أقل خوفاً من المستقبل.‏‏

.........‏‏

كتاب لماذا فشلت الليبرالية للكاتب Patrick J. Deneen (أستاذ الفلسفة السياسية في جامعة نوتردام)، صدر عن مطبوعات جامعة يال، 2018.‏‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية