تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


في الجنوب السوري..حبل سري بين أميركا وجبهة النصرة

The American Conservative - الثورة
دراسات
الأربعاء 27-6-2018
ترجمة ليندا سكوتي

للوهلة الأولى نرى الهدوء والسكينة يلفان درعا المدينة الواقعة في الجنوب السوري، ونرى السكان وهم يجوبون الأسواق لتأمين احتياجاتهم وما يتطلبونه من مقومات الحياة. لكن معالم التوتر بدت ظاهرة للعيان في تلك

المدينة التي تعتبر من المناطق الآمنة، ولاسيما بعد انهيار محادثات المصالحة التي جرت برعاية روسيا في جنوب سورية نتيجة رفض التنظيمات المسلحة التي تلقى الدعم من الغرب اتفاقا تم التفاوض عليه.‏

سواء أكان ثمة معركة ستحدث أم لا، فإني توصلت من خلال زياراتي الثلاث لكل من درعا والقنيطرة والسويداء بأن تنظيم القاعدة السوري المتمثل بجبهة النصرة ينتشر في البلدات والقرى المتناثرة في الجنوب ويتلقى الدعم والمساندة من الولايات المتحدة.‏

يبدو بأن وسائل الإعلام ومراكز الفكر الأميركية تعمد إلى التعتيم على هذه الحقيقة بل وتشير إلى مقاتلي المعارضة باعتبارهم «متمردين» أو «معتدلين». إذ يُشاهد في خرائطهم ثلاثة ألوان: اللون الأحمر الذي يعبر عن مناطق وجود الجيش العربي السوري وحلفائه، والأخضر يشير إلى مناطق تسيطر عليها قوات المعارضة، والأسود لأماكن وجود تنظيم داعش.‏

وهنا نطرح تساؤلا، أين جبهة النصرة التي يعتبرها مثقفو الغرب إحدى أقوى «القوات» التي تقاتل الجيش العربي السوري؟ هل تم استبعادها من خريطة المعارك السورية؟‏

من خلال نقاشات أجريتها مع خبراء عسكريين ومحللين سوريين ومقاتلي المعارضة خلال رحلتي اكتشفت بأن النصرة مازال لها ثقلها في تلك المنطقة وتشارك بشكل فعال في معارك المنطقة الجنوبية. بينما نرى بأن الخرائط التي رسمتها الأيدي الغربية تحدد وجودها ببعض المناطق فقط لكنها لا تبين أماكن تواجدها ومشاركتها للمتطرفين الآخرين في مناطق أخرى.‏

على الرغم من تصنيفها من قبل الولايات المتحدة وهيئة الأمم المتحدة باعتبارها تنظيما إرهابيا، فإن النصرة تقاتل على الجبهة الجنوبية وتتشكل من 54 فصيلا يلقى تمويلا ودعما من قبل غرف العمليات التي تقودها الولايات المتحدة والتي مقرها العاصمة الأردنية عمان وتدعى مركز العمليات العسكرية «الموك».‏

لاريب بأنه من الصعوبة بمكان الحصول على معلومات حول غرف «الموك» لكن مصادر مطلعة داخل سورية تبين بأن مركز القيادة يدار من قبل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا والأردن وإسرائيل وبعض الدول الخليجية. وذكرت تلك المصادر أيضا بأن غرف الموك تقدم التمويل والسلاح والرواتب والتدريب لـ 54 فصيلا مسلحا، يضم أغلب الفصائل ما يناهز الـ 200 مسلح، أما الفصائل الأخرى فهي مشكلة من مجموعات صغيرة قد لا يضم عدد منها أكثر من عشرات من المقاتلين.‏

في هذا السياق، قال الجنرال في الجيش العربي السوري أحمد العيسى، قائد الجبهة في درعا، بأن الموك عبارة عن غرفة عمليات تديرها الولايات المتحدة والمسؤولة عن تحركات الإرهابيين في الجبهة الجنوبية، ويتم توجيههم بهدف تحقيق مآرب استراتيجية إسرائيلية في جنوب سورية.‏

وعندما سألته من أين استقى تلك المعلومات؟ فأجاب بأن تلك المعلومات قد تم الحصول عليها من مصادر متعددة ومنها المسلحين الذين تم عقد اتفاق المصالحة معهم أو الذين جرى اعتقالهم أو من المعلومات الاستخباراتية من غرف الموك. واستشهد الجنرال بتصرفات المسلحين الذين يلتزمون بأمن إسرائيل فعلى سبيل المثال «نجد إنهم لم يسعوا البتة إلى الاقتراب من الحدود مع الكيان الإسرائيلي بأي ظرف كان، كما أنهم يوفرون الحماية لأراضي الجولان المحتل (من قبل إسرائيل) بحيث لا يمكن لأحد دخول تلك الاراضي.»‏

بهدف توضيح سيطرة الموك على مسلحي الجنوب، قال عيسى: «إنهم لا يقدمون على أي إجراء عسكري قبل استشارة مركز العمليات العسكرية في أمره، أما إن طلب من تلك التنظيمات شن هجوم أو وقفه، فإنهم يلبون النداء دون تردد لأنهم يعلمون جيدا بان عدم تلبية ما يملى عليهم سيكون سببا في قطع الرواتب والأجور والتمويل عنهم.»‏

ترتبط مجموعات المعارضة المسلحة التي تتلقى الدعم من غرف الموك بما يسمى «الجيش السوري الحر» الذي يتألف من تنظيمات مسلحة تعمد إلى تغيير أسمائها وانتماءاتها باستمرار بين الحين والآخر. وخلال فترة الحرب، عمل «الجيش الحر» إلى جانب النصرة وداعش. وفي الوقت الراهن، وعلى الرغم من الجهود المضنية لتلميع صورة هذا الجيش واعتبار تلك الفصائل الموجودة في الجبهة الجنوبية «غير متطرفة» فإننا نرى فصائل على شاكلة جيش اليرموك، وكتيبة المعتز بالله، وفصيل صلاح الدين، ولواء فجر الإسلام، ولواء فلوجة حوران، ومجموعة البنيان المرصوص، ولواء سيف الله المسلول، وآخرون يحتلون مناطق في درعا بالتعاون مع جبهة النصرة.‏

ولا ريب بان تلك المعلومات ليست خافية على صناع السياسة الأميركية، إذ حتى قبل تأسيس الموك قام مسلحو النصرة بمناورات عسكرية لصالح «الجيش الحر» في شهر شباط عام 2014. وقد قال ناشط في المعارضة: «انضم الجيش الحر إلى النصرة للقيام بعمليات عسكرية حيث جرى عقد اتفاق يتم بموجبه تسلم الحر دفة القيادة بهدف عدم إثارة المخاوف لدى الأردن والغرب...بينما في واقع الأمر كانت العمليات فعليا تنفذ من قبل النصرة وظاهريا من قبل الحر»‏

يبدو بأن الجهود الرامية للتعتيم على عمق التعاون بين النصرة و وما يسمى الجيش الحر كانت على أعلى المستويات. وقد قال أحد قادة الحر في درعا: «في العديد من المعارك، تشارك النصرة، لكننا لا نخبر الموك بتلك الحقيقة». لكن من الصعوبة بمكان تصديق جهل القوات العسكرية الأميركية بهذا الواقع. ففي عام 2015 قال المتحدث باسم القيادة المركزية الأميركية الكوماندر كايل رينز في استجواب أمام البنتاغون بشأن وصول الأسلحة لأيدي عناصر في جبهة النصرة «إننا لا نقود أو نتحكم بتلك القوات، بل يقتصر دورنا على تدريبها وتمكينها، ومن يقول بأن ثمة اتحاد مع جبهة النصرة فذلك شأنه»‏

عمليا، نجد الولايات المتحدة لا تناهض النصرة طالما أنها تؤدي الدور المنوط بها. وقد شوهدت أسلحة أميركية في أيدي مسلحي النصرة على مدى عدة سنوات، ومنها صواريخ تاو ذات الفعالية العالية، والتي استخدمت بهدف تغيير قواعد اللعبة على المسرح العسكري السوري.‏

من السهولة بمكان التعرف على أسباب تجاهل الخرائط الأميركية للبراهين والأدلة الدالة على وجود النصرة بين الميليشيات المدعومة أميركيا، ذلك لأنها مستبعدة من اتفاقات التهدئة لكن ينظر إليها بذات الوقت باعتبارها أداة لتنفيذ هجمات عسكرية في أي وقت تريده الولايات المتحدة.‏

في شهر كانون الأول عام 2015، دعا قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2245 «الدول الأعضاء لمنع وقمع الأعمال الإرهابية التي ترتكبها تنظيمات كداعش وجبهة النصرة وسائر الأفراد والجماعات والمؤسسات والكيانات المرتبطين بداعش أو القاعدة وغيرها من التنظيمات الأخرى المصنفة بالتنظيمات الإرهابية من قبل مجلس الأمن» علاوة على ذلك، أوضح القرار بأن وقف إطلاق النار «لا يطبق على الأعمال الهجومية والدفاعية التي تنفذ ضد هؤلاء الأفراد والمجموعات والكيانات والمؤسسات» وهذا يعني بأن الجيش العربي السوري وحلفاءه بإمكانهم القيام بأي عملية في جنوب سورية حيث يتواجد مقاتلي النصرة والكيانات المرتبطة بها. إذ بموجب القانون الدولي بإمكان القوات السورية القيام شن هجوم على ميليشيات مدعومة أميركيا تدعى النصرة، وتقويض قدرة الرعاة الأجانب عبر اتخاذ اجراءات انتقامية.‏

وهذا هو سبب التعتيم على وجود جبهة النصرة في الخرائط الأميركية.‏

أشار الرئيس السوري بشار الأسد في مقابلة أجريت معه إبان الأسبوع الماضي إلى أن انهيار جهود المصالحة في الجنوب يعود «للتدخل الإسرائيلي والأميركي» حيث قال: «الضغط على الإرهابيين الناشطين في الجنوب السوري تسبب بعدم التوصل لأي تسوية أو حل سياسي في تلك المنطقة.»‏

في الوقت الحاضر، يتواجد على خط الفصل الإسرائيلي مع سورية تنظيمي داعش والنصرة، والتي تفضلها إسرائيل على الجيش السوري وحلفاءه. وقد ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال في العام الفائت بأن إسرائيل تقدم الرواتب الشهرية، والمواد الغذائية، والمحروقات، والذخيرة للمسلحين على حدودها. وفي مطلع حزيران، عضو سابق فيما يسمى «الجيش الحر» (سبق له وأن كان مقاتلا في النصرة) في بيت جن (تلك المنطقة الاستراتيجية الواقعة على الحدود السورية اللبنانية والإسرائيلية) أخبرني بأن إسرائيل دفعت رواتبا للمسلحين على مدى عام كامل قبل إبرام اتفاق المصالحة مع الحكومة السورية. واستطرد: «في كل شهر ترسل إسرائيل مبلغا وقدره 200,000 دولار لاستمرار القتال» وأضاف: «يتلقى قادتنا معلوماتهم من دول أجنبية، ونلقى الدعم من الموك، وقد استمروا بتقدم كافة صنوف الدعم حتى اللحظة الأخيرة»‏

في مطلع ذات اليوم، وفي قرية حضر في الجولان السوري، قال لي أحد سكان تلك البلدة الذي يعمل مدرسا لمادة اللغة الانكليزية ويدعى مروان الطويل بأن هجوم النصرة في شهر تشرين الثاني الفائت أسفر عن ارتقاء 17 شخصا وأضاف: «لقد شهد الجميع تقديم إسرائيل المساعدات لإرهابيي النصرة في ذلك اليوم، حيث جرى تغطيتهم بالرصاص الحي من قمم التلال لمساعدتهم في احتلال حضر. وفي نهاية المعركة، قامت إسرائيل بنقل الجرحى من المقاتلين وقدمت لهم الاسعافات والمساعدات الطبية»‏

لم تدخر إسرائيل جهدا إلا وبذلته في سبيل إقصاء سورية وحلفائها عن خط الفصل معها في الجولان، لذلك قدمت التعزيزات للقاعدة والمتطرفين على مسرح الجنوب السوري. وقد قال وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعلون عام 2016 « إن خيرونا بين وجود المقاومة أو داعش، فإننا سنختار داعش على حدودنا». وفي هذا السياق، زعمت الولايات المتحدة وإسرائيل وجود قوات إيرانية في الجنوب لتبرير قيامها بالتدخل العسكري، علما بأنه ليس ثمة أي دليل على وجودها سواء في درعا أو القنيطرة.‏

في الحين الذي تؤكد به مصادر متعددة في درعا بأن الموجودين فعلا هم مجموعة من المستشارين وليس المقاتلين في تلك المنطقة.‏

وهنا نتساءل، لماذا يعمد الغرب إلى تلك الأساليب الملتوية بهذا الشكل؟ ونجد الإجابة على هذا التساؤل فيما قاله الجنرال عيسى والذي أكد «بأن الجهود الدبلوماسية المعلنة للغرب تقوم على التذرع بإخراج إيران من الجنوب على الرغم من عدم وجود قوات لها في تلك المنطقة»‏

لا يمكن للولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما تحقيق الفوز بمعركة الجنوب. بل إن كل ما يستطيعون القيام به يقتصر على زعزعة الاستقرار لمدة أطول قبل أن يقدم الجيش العربي السوري على شن حملة عسكرية ضد 54 فصيلا يتبع للنصرة الذين يحتلون الجنوب السوري. والنتيجة الحتمية لا بد وأن تكون بالتوصل إلى تسوية يتم التفاوض عليها بالتوازي مع الاجراءات المتخذة لإخراج المتشددين والمتطرفين.‏

لقد أخبرني أحد الجنود في الجيش العربي السوري قائلا: «إن وجود أربعة وخمسين فصيلا يتعاونون مع جبهة النصرة في منطقة واحدة يمثل مظهرا للضعف أكثر مما يمثل من قوة» الأمر الذي يؤكد بأن المهمة الموكلة إليهم تفوق قدرتهم.‏

بقلم: شارمن نورني‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية