تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


من جماليات المعنى والمبنى

إضاءات
الأحد 2-9-2018
د. ثائر زين الدين

سأقفُ في هذه الإطلالة القصيرة على ظاهرتين جماليتين أولاهما النقدُ العربيُّ القديمُ اهتماماً باذخاً.

الأولى: تتمثَّلُ في جمالِ اللفظة الشعرية ودقّةِ اختيارها وسلامتها وبعدها عن الخطأ اللغوي والنحوي، فالخطأُ قُبحٌ وخروجٌ من دائرة الأدب، ولذلك قدّم الجاحظ المبنى على المعنى، وتحدث ابن قتيبة عن محاسن الألفاظ، ومنها «الدقة في التعبير، وهي أن توضع الكلمة في موضعها من الصورة لتؤدي وظيفتها على أكمل وجه، فلا يغيّر الشاعر موضع الكلمة في البيت أو الجملة منهُ بتقديمٍ وتأخير إذا كان ذلك يوهم بشيءٍ خلاف المُراد، أمّا إذا كان التقديم لغاية فنيّة فهو مفضّل عنده، كذلك يعيبُ ابن قتيبة الحشو، ومن محاسنِ اللفظة أيضاً تنويع العبارة بين خبرٍ وإنشاء وحقيقة ومجاز فتغدو اللفظة الواحدة ذات إمكانات ووظائف كثيرة، وهي في السياق تشعُّ بحركتها وحيويتها. أمّا الحسنة الأهم فهي السهولةُ في الألفاظ، وأن تكون مألوفة ومأنوسة يدرك السامع المراد منها دون حاجة إلى تفسير، وأن تكون فصيحة بليغة يسيرة في النطق، مناسبة على اللسان، بعيدة عن التقعر والتنافر، ولا يبتعدُ قدامةُ بن جعفر في مقاييس الجمال اللفظي عن صاحبه أو عن الجاحظ؛ فهو يشترطُ في الشعر الجيّد» أن يكون لفظُهُ سمحاً، سهل مخارج الحروف من مواضعها، عليه رونق الفصاحة، مع خُلُوٍّ من البشاعة».‏‏

الثانية: تتمثَّلُ في جمال المعنى ونبله، إلى جوار نخبةٍ من النقادِ، وهم قِلّة قَدّموا المبنى والصياغة على المعنى كالجاحظ الذي رأى المعاني «مطروحةً في الطريق، يعرفُها العجميُّ والعربي، وإنما الشأن- على حَدِّ قولهِ – في إقامة الوزن وتخيّر اللفظ، وسهولة المخرج وكثرة الماء إلخ»، وكقدامة بن جعفر وهو من أنصار التخييل والصناعة ويؤخر المعنى، ويرى أنّه ليس فحاشة المعنى في نفسه مما يزيل جودة الشعر فيه، كما لا يعيب جودةَ النجارة الرداءةُ في الخشب ، وكالآمدي الذي يرى أن صنعة الشعر هي «جودة الآلة، وإصابة الغرض المقصود وصحّة التأليف، والانتهاء إلى نهاية الصنعة من غير نقصٍ منها ولا زيادةٍ عليها»، إذنْ إلى جوار هؤلاء نجد ثُلّةً من النقّاد يرونَ جماليات الشعريّة إنما تكمُنُ في جمال المعنى ونبلهِ وشرفِ المضمون، فابن طباطبا يرى الشعر «رسالةً اجتماعيّة وحضاريّة، ووظيفته تشكيل العقول والتأثير في العواطف، وتوجيه السلوك الإنساني وجهةً سليمة، وابن جنيّ يرى «أن المعنى أقوى عند العرب وأكرم وأفخم قدراً في نفوسها وهي تعتني بألفاظها لأنها عنوان معانيها، والألفاظُ خدمٌ للمعاني، والمخدوم أشرف من الخادم».‏‏

ويرى عبد القاهر الجرجاني الأمر نفسه. وقد يجدُ المتابعُ مثل هذه النزعة النفعيّة عند ناقدٍ كبير كحازم القرطاجني الذي يذهبُ إلى أن وظيفة الشعر هي «إنهاض النفوس إلى فعل شيءٍ أو طلبه أو اعتقادِهِ، بما يخيّلُ لها فيه من حسنٍ وقُبحٍ وجلالةٍ وخسّةٍ». ومن جماليات المعنى في الشعر العربي القديم أنّه لا يُقاسُ بمطابقتِهِ للواقع من حيث مسألتا الصدق والكذب.‏‏

يقولُ أبو هلال العسكري: «قيلَ لبعض الفلاسفة فلانٌ يكذبُ في شعرهِ، فقال: يرادُ من الشاعر حسن الكلام، والصدقُ يُرادُ من الأنبياء». فالشعر إذن ليس تاريخاً ولا واقعاً موضوعيّاً، إنّه واقعٌ فني قائم بذاته ومستقل بنفسه، بالرغم من الوشائج العميقة مع العالم من حولِهِ» ولا تقتصرُ جماليات المعنى على قبول الكذب في الشعر والتلذّذ به، إنما يجدُ المتلقّي- فضلاً على ذلك- أنّ الشعر‏ فنٌّ تحويلي، فهو يحوّل الكذب إلى صدقٍ فني، ويحول القباحة إلى جمال، فالافتخار بالذات مكروهٌ في النثر وقبيحٌ ومسترذلٌ، ولكنّهُ مقبولٌ في الشعر وجميل ومطلوب».‏

وفي هذا السياق يقول ابن رشيق: «ليس يُقصدُ من صناعة الشعر أي لذّةٍ اتفقت، لكن إنّما يقصدُ بها حصول الالتذاذ بتخييل الفضائل»، أي إِن جماليات المعنى إنما تكمُنُ في المحاكاة والتخييل، ووظيفةُ الشعر كما يرى ابن رشيق في تخييل الفضائل وتحبيب الناس بها من خلالِ صناعة الشعر، فتحدثُ اللذة الفنيّة الجماليّة بجميل الكلام.‏

وإذا كانت قد سادت في الشعر العربي من العصر الجاهلي حتى بدايات العباسي جماليّة الوضوح ومطابقة الكلام لمقتضى الحال، والسير على نهج القدماء، فإن جمالية الغموض وممانعة القصيدة، وعدم تسليمها نفسها وإعطائها غرضها بسهولة قد بدأت بالظهور مع أبي تمّام، فقد رأى أبو إسحق الصابي أن الغموض في الشعر مطلب أساسي، وهذا ما يميّزهُ من النثر: «إن طريق الإحسان في منثور الكلام يخالفُ طريق الإحسانِ في منظومهِ، لأن الترسّل هو ما وضحَ معناه، وأعطاكَ سماعَه من أوّل وهلةٍ ما تضمّنته ألفاظُه. وأفخر الشعر ما غمض، فلم يعطكَ غرضه إلا بعد مماطلةٍ منهُ».‏

وذهبَ المذهبَ نفسه عبد القاهر الجرجاني، ولكن من خلالِ دعوتِهِ إلى بناء صور بيانيّة غير مألوفة، بل متباعدة أطرافِ الصورة يقول: «إذا استقريتَ التشبيهات وجدتَ التباعد بين الشيئين كلما كان أشد كانت إلى النفوس أعجب وكانت النفوس أطرب «، وهو أمرٌ سيعتمدُ عليه شعراء الحداثةَ العربيّة في بناء صورهم، والنقاد في التنظير للصورة الحداثيّة.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية