تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


أدب... الترميز على ألسنة الحيوانات بين الأدب والعلم

ثقافة
الأربعاء 15-8-2018
سهيلة علي إسماعيل

كتب الأديب الفرنسي مارسيل إيميه (1902- 1967), رواية (الحكايات الحمراء للقط الجاثم)، منذ الستينيات وترجمه إلى اللغة العربية الأديب السوري حسيب كيالي, كما حوله بعض المخرجين

إلى حلقات متلفزة على غرار الكثير من قصص الأطفال, وفيه يقدم نموذجا للقط الخامل الذي لا يفعل شيئا سوى التحكم بهطول المطر من خلال تمرير قائمته خلف أذنه, وترد سلسلة من الآراء والحوارات بين الحيوانات التي يجعلها الكاتب تتكلم كما لو أنها بشر, مثل الديك والخنزير والكلب والبطة والإوزة والفأرة, فجميع الحيوانات تتعاطف مع القط وصديقتيه (مارينيت ودلفين) حين تعرض لخطر إغراقه في النهر من قبل أبويهما المزارعين لأنه جعل السماء تمطر دون توقف, ما سبب تلف المحاصيل الزراعية, وخلال قراءتنا للكتاب سنلاحظ العلاقة الوطيدة بين الفتاتين الصغيرتين والقط من ناحية, وبين الحيوانات والقط من ناحية أخرى, وكما في عالم البشر أظهرت بعض الحيوانات تعاطفا مع القط بينما وجد بعضها الآخر أن القط يستحق ما سيحصل له, وهنا يقدم إيميه الأحداث بأسلوب شيِّق، من اجتماع الحيوانات وبحث موضوع القط والتوصل إلى استبداله بقطعة خشب مع فأرة في الكيس الذي سيلقيه الأبوان في النهر...‏

سلسلة من المغامرات الجميلة كتبها إيميه بأسلوب جذَاب, وهو كغيره من الأدباء الذين وجدوا في الكتابة على لسان الحيوانات متعة لا تضاهيها متعة أخرى, فأعطوها دور الشر, وألبسوها لبوسه, وحجزوا لها مكانا في البنية المجتمعية, فالحيوانات أيضا لها مشاعرها وأحاسيسها ومواقفها السلبية والإيجابية فيما يحدث في محيطها.‏

وكتاب إيميه ليس الأول, فهناك تاريخ كامل لهذا النوع من الكتابة ففي تاريخ الأدب العربي ترك بعض الأدباء مؤلفات نادرة عن الحيوان مثل الجاحظ والدميري والقزويني وغيرهم, وفي تاريخ الأدب الفارسي يعتبر كتاب (كليلة ودمنه) لابن المقفع من أشهر الكتب التي تناولت هذا النوع من الكتابة, وترجم إلى العربية وكان مصدر إلهام لكثير من الأدباء العرب والأجانب،حيث كتب لافونتين الفرنسي حكايات استمدها منه, ولا ننسى هنا الحكايات السردية الشعبية التي حيكت على لسان الحيوانات إلى درجة أن بعضها تحول إلى أساطير مليئة بالخيال والمغامرات الخارقة.‏

وفي الثقافة الهندية سنجد الكثير من القصص عن الحيوان في حكايات تناسخ بوذا،ولم يخل كتاب (ألف ليلة وليلة) من قصص على لسان الحيوانات وعلاقتها بالإنسان ومغامراتها.‏

فالأسلوب معروف منذ نشأة الحضارات القديمة كالحضارة المصرية في حكاية (السبع والفأر) التي وجدها المؤرخون مكتوبة على ألواح ورق البردي, وفي العصر الحديث كتب أحمد شوقي قصصا عن الحيوانات متأثرا بخرافات لافونتين خلال وجوده في فرنسا.‏

وتزودنا الكتب الأدبية القديمة بالكثير من الأشعار أيضا على لسان الحيوان, وتأثرا بالكتابة على لسان الحيوان, أو عن الحيوان نفسه قام بعض العلماء بدراسة لغة الحيوانات وتوصلوا إلى أن بعض الحيوانات تمتلك لغة خاصة بها, وتستخدمها للتواصل فيما بينها،والأمثلة في الواقع كثيرة، حيث تستطيع الدجاجة أن تقنع أفراخها بلغتها الخاصة عند اقتراب خطر داهم, والقطة كذلك.‏

هي إذن لغة تنبأ بها الأدباء القدماء, لتصبح نقطة انطلاق لأبحاث العلماء في العصر الحديث وتتحول إلى حقيقة،لكنها وبكل تأكيد تخلو من الألفاظ البذيئة التي يستخدمها البشر.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية