تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


واشنطن والقطبية المتعددة الـخصوم

الثورة
دراسات
الأربعاء 15-8-2018
ليندا سكوتي

ما ان تولى دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة حتى انصرف دون تحرج إلى توسيع لائحة الأعداء والخصوم عبر لجوئه إلى توجهات عدوانية رسخها بقرارات واجراءات مثيرة أفضت إلى حشد الكراهية والعداء للولايات المتحدة.

وها نحن نشهده اليوم يتعمد تصعيد تهديداته وإنذاراته التي يرمي بها ذات اليمن وذات الشمال مستخدما العقوبات الاقتصادية تجاه كل من لا ينصاع إلى توجهاته أو يلبي رغباته متناسيا بأن صفحة «هيمنة القطب الواحد» قد انطوت في ضوء ظهور قوى جديدة تتمتع بإمكانيات كبيرة تنافس الولايات المتحدة بشكل كبير وتتجاوزها في بعض المجالات.‏

تعتبر روسيا الاتحادية قوة كبيرة من الناحية العسكرية أو الاقتصادية ذلك لأن مصادرها واحتياطاتها من النفط والغاز تحميها من الابتزاز الاقتصادي الأمريكي، كما وأن تحالفها الجيو- سياسي المتنامي أوغر صدر الولايات المتحدة الأمر الذي جعل إدارة ترامب تلجأ في الأسبوع الماضي إلى فرض عقوبات جديدة عليها بذريعة واهية حول دورها المزعوم في تسميم الجاسوس الروسي السابق سيرجي سكريبال وابنته في مدينة ساليسبري البريطانية. وعلى خلفية ذلك الادعاء الباطل عمدت واشنطن إلى طرد 60 دبلوماسيا روسياً. وبالرغم من نفي روسيا مسؤوليتها عن عملية مقتل العميل الروسي، وعدم وجود دليل على إدانتها، فإنه من المرجح فرض حزمة عقوبات إضافية أكثر شدة على موسكو في شهر تشرين الثاني المقبل الأمر الذي يتعارض مع القانون الدولي. وفي هذا السياق صرح رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف بأن اتخاذ هذه الخطوة يعتبر تجاوزا للخط الأحمر حيث قال: «في حال عمدت واشنطن إلى تشديد العقوبات من خلال فرض حظر على أنشطة البنوك واستخدام العملة، فذلك يعتبر بمثابة إعلان حرب اقتصادية مما يتطلب ردا عبر اتباع إجراءات اقتصادية وسياسية وإذا لزم الأمر اتخاذ إجراءات أخرى أيضا».‏

وينطبق ذات الأمر على إيران التي تمتاز بمواردها النفطية واستقلالها السياسي وتحالفاتها الجغرافية السياسية في الشرق الأوسط، الأمر الذي جعلها تمثل تحديا لهيمنة الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية على المنطقة، حيث انه في شهر تشرين الثاني ستفرض الولايات المتحدة عقوبات أشد صرامة على طهران، ترمي منها الى فرض مقاطعة النفط والغاز الإيراني على أكبر عدد ممكن من الدول لعلها تتمكن من زعزعة الوضع الاقتصادي في هذا البلد وبالتالي إسقاط نظام الحكم فيه. وردا على ذلك أشارت الجمهورية الإسلامية في ايران بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي في حال منع نفطها وغازها من الوصول إلى الأسواق العالمية. ولتأكيد ما تزمع القيام به، أجرت زوارق إيرانية في هذا الشهر مناورات في مضيق هرمز، تزامنت مع إطلاق إدارتها لتحذير أنه في حال منع النفط الإيراني عبور الخليج، فإن نفط دول منظمة الأوبك لن يسمح له بالمرور أيضا. وفي الأسبوع الماضي، أطلقت إيران صاروخاً بالستياً مضاداً للسفن، كما أعربت عن رفض عرض تقدم به ترامب بهدف إجراءات محادثات مباشرة غير مشروطة إلا في الأحوال التي تلجأ بها الولايات المتحدة إلى رفع العقوبات المفروضة بعد الانسحاب من الاتفاق النووي. لكن في ضوء عدم وجود تواصل، بالإضافة إلى البروباغندا الأميركية العدائية، ومحاولة خفض سعر الريال والمساعي لإضعاف الاقتصاد الإيراني، والتحريض على الاحتجاجات ضد النظام، ونية فرض عقوبات في شهر تشرين الثاني، فإننا نعتقد بأنه من الصعوبة بمكان تجنب حدوث اصطدام أميركي مع طهران.‏

أما العداء الأميركي تجاه سورية فيتمثل بموقعها الاستراتيجي في الشرق الأوسط ومواقفها من القضايا العربية والدولية وتحالفاتها مع إيران وفلسطين والعراق وروسيا، وأهم من ذلك كله بانها تشكل عاملا معرقلا للخطط الأميركية الإسرائيلية الساعية لبلقنة الشرق الأوسط وتقسيمه لدويلات عرقية وقبلية متناحرة. إذ نجد أنه منذ بداية الأزمة في سورية نهجت الولايات المتحدة إلى دعم المجموعات الإرهابية بهدف نشر الدمار وزعزعة استقرار هذا البلد الآمن، وقدمت مساعداتها العسكرية واللوجستية بسخاء لتلك المجموعات، حيث سعت إلى تأسيس إمارة سلفية في شرق البلاد وذلك وفقا لتقرير استخباراتي صدر عام 2012 بحيث تعمل هذه الإمارة على ممارسة الضغط على دمشق كي تتمكن من عزلها عن حلفائها. وبهدف مؤازرة وكلائها عمدت الإدارة الأميركية إلى القيام بغزو بعض المواقع السورية عام 2014 واحتلال أراض فيها ولم نرها البتة تلحق الهزيمة أو الانهيار في صفوف تنظيم داعش الذي اتخذ من تركيا معبراً له، لكنها منيت بالفشل الذريع وذلك نظرا لتضحيات جيشنا البطل الذي يشكل قوة مسلحة وطنية والتفاف الشعب السوري خلف قيادته الحكيمة والشجاعة. وعلى الرغم من فرض واشنطن للعقوبات على سورية وإقامة بعض القواعد العسكرية فيها فإننا على ثقة تامة بأن قواتنا المسلحة الباسلة لن تسمح لها بالتمدد أو البقاء بل ستقوم بتحرير كل شبر من الأرض السورية.‏

أما العداء الأميركي حيال الصين فيعود لقوتها الاقتصادية العالمية وتنامي شبكاتها التجارية والاستثمارية والتكنولوجية، إضافة إلى قدرتها العسكرية الدفاعية المتزايدة، لاسيما فيما يتعلق بحماية مصالحها في بحر الصين الجنوبي، متحدية في ذلك الهيمنة الأميركية في آسيا. وقد شهدنا في الأسبوع الماضي توترا بين الجانبين إبان تحليق طائرة استطلاع أميركية من طراز بوسيدون لمراقبة بناء الصين لجزر اصطناعية عسكرية في بحر الصين الجنوبي، حيث طلبت من الولايات المتحدة مغادرتها على الفور والابتعاد عنها وأن البحر يعتبر من الأراضي الوطنية لها.‏

ويعتبر اليمن أيضا من خصوم الولايات المتحدة نظرا لحركته القومية المستقلة والمعارضة للحكومة الدمية التي فرضتها المملكة العربية السعودية فضلا عن علاقته مع إيران. وفي يوم الاثنين الماضي أقيمت جنازة في ساحة مدينة صعدة لـ 40 طفلا قضوا في غارة جوية سعودية أو إماراتية على حافلة مدرسية باستخدام الطائرات والقنابل المقدمة من قبل الولايات المتحدة.‏

لقد كان لتصرفات إدارة ترامب الخرقاء التي طالت الكثير من الدول المعارضة للسياسة الأميركية الأثر البعيد في مناصبة تلك الدول العداء للولايات المتحدة ولا يقتصر الأمر على الدول المذكورة فحسب بل يتعداه إلى الكثير من الدول الأخرى على غرار فنزويلا وكوبا بوليفيا ونيكاراغوا وغيرها، فهل الولايات المتحدة قادرة على مواجهة تلك الدول خاصة في ضوء ما أبدته وأعلنته من تحد للسياسات الأميركية؟ إذ أننا على قناعة تامة بأن دولا مثل الصين وروسيا وإيران لن تقف مكتوفة الصواريخ في وجه الهجمات الأميركية، وإننا قد نشهد في المستقبل القريب حربا ستستنزف هيبة الولايات المتحدة وأموالها واقتصادها. لكن من الممكن لواشنطن استعادة بعض من مصداقيتها في حال إعادة النظر في نهجها وصياغة سياسة خارجية أميركية جديدة تتجاوز بها ما دأبت عليه من عربدة وعدوانية.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية