تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


تشكيل.. عبد الحميد الفياض في لوحاته الأحدث.. أجســاد تبـوح بفواجـع التدميـر والتهجيـر..

ثقافة
الأربعاء 4-4-2018
أديب مخزوم

يعرفنا الفنان عبد الحميد الفياض عبر معرضه الفردي في صالة فاتح المدرس، والذي تضمن 30 لوحة (قياسات مختلفة اكريليك على كانفاس، أنجزها خلال سنوات الحرب المدمرة على الأرض السورية)

على تنويعات أعماله التي تشير وترمز إلى بعض عناصر الواقع المأساوي، ولاسيما الإنسان، وبطريقة تعبيرية ورمزية كمنطلق للمجاهرة بالأهوال والويلات والمآسي الكبرى.‏

كثافة التعبير المأساوي‏

ومن جهة أخرى يرتد عبد الحميد الفياض (من مواليد الرقة، وخريج محترفات كلية الفنون الجميلة في دمشق قسم الحفر، بدرجة امتياز) إلى لغة الفن الحديث، حين يعتمد على حركة الرسم العفوي والتلقائي والكثافة اللونية والتلخيص والتحوير، في معالجة الاشكال وتوليف العناصر والرموز، دون أن يفقد الأمل بعودة الحياة إلى الأرض المحروقة والمستباحة. وفي مجموعة أخرى من لوحاته، التي أنجزها خلال العامين الماضيين، يمنحنا فسحة من الأمل، مظهراً تعاطفه مع المرأة بلباسها الفولكلوري، وبلغة اختزالية، ومع الإنسان الباحث عن ولادة جديدة، تنشد الحرية والسلام والخلاص من مأساة الحياة الراهنة، المتشحة بسواد الحرائق وآثار القذائف المتفجرة بقوة مضاعفة، تجسد المشاهد المفجعة وأشلاء الجثث ولحظات الاقتلاع والتهجير والتشرد والمآسي الكبرى.‏

هكذا نعثر عبر تنويعات أعماله الحديثة، على ايقاعات الوجوه المذبوحة، والدلالات الرمزية اللونية، لحرائق المدن، وتداعيات الدمار الداخلي والخارجي، وفصول المخاض العسير، الذي نعيشه في المرحلة الراهنة، المشبعة بالتوتر والترقب والاضطراب والتشنج والقتامة المطلقة.‏

فالنص التشكيلي هنا يبدو مشرعاً على كل الاحتمالات القلق والاختناق اليومي، انه النص البصري القادرعلى استقطاب تعابير الوجوه المشدودة ليوميات الموت الأسود وحرائق المدن وحكايات المخاض العسير، الذي اخفى خلفه القاتل والقتيل أو المجرم والضحية، وبتصاعدية وتيرة تدمير القدرات الاقتصادية والحياتية وعمارات المدن والقرى والأمكنة والصروح الحضارية.‏

فلوحاته المعروضة ما هي الا صدى لمرايا الدمار والخراب والقتل والاهوال والمآسي والويلات والاحزان المتواصلة، فكل شيء يوحي بالتصدع وأشلاء المدن والقرى المنكوبة ومتاهات الاحلام المفجوعة وسط الدمار والخراب واشباح الموت.‏

فقد جاءت الأعمال متوافقة مع الأجواء المرعبة في الأمكنة المحاصرة، وتحمل دلالات الوجع القادم من شوارع المدن والقرى المدمرة بزلازل الحروب، حتى إن الدم يفيض من الأعناق المقطوعة وتبرز الأجساد المعلقة والممزقة والاحشاء البارزة والمتفجرة.‏

فالدمج ما بين رموز الموت والخراب والدمار وبين رموز الحياة والولادة الجديدة يعبر عن تداخل الاحاسيس والرغبات والهواجس الانسانية العميقة. فحتى لا يتحول هذا الخراب والدمار والموت إلى كابوس دائم يرسم الحالم بالمستقبل رموز الولادة الجديدة ويترك فسحة امل في لوحته حتى لا يموت العشب، في الأمكنة المحروقة والمنكوبة والمدمرة. فالأرض المجسدة تحمل كل المجازر والاوجاع، والقلق المجسد بثقل خطوات الاقتلاع والتهجير، اما الوهج الذي يصل الى حدود البياض اللوني، فهو يخفف من حدة السواد، ويمنح العين المزيد من الأمل بعودة الحياة إلى الوجوه الذابلة والمكسورة والممحية والغائبة وسط الدخان الأسود لحرائق المدن المتصدعة والمدمرة والمحاصرة.‏

دلالات الولادة الجديدة‏

فمع لوحات عبد الحميد الفياض يتضاعف الإحساس بمرارة الواقع المأساوي، وبطريقة تعبيرية ورمزية يأخذها كمنطلق للمجاهرة بالأهوال والويلات والمآسي الكبرى. انها مجموعة لوحات مأساوية، تزيد من حدة صدمتنا بواقع اليوم اللاإنساني، وبالتالي تعبّر عن نقمته من أزمنة الرعب، التي سجلت أصعب حالات الموت في المدن المدمرة والمحاصرة والمحروقة بزلازل ونيران الحرب السورية. وخط الرسم عنده يبتعد كل البعد عن الأناقة الصالونية، ويحرك العناصر المختلفة والمرتبطة بالأرض والإنسان والتراث. وهنا يجاهر باللغة التشكيلية المعاصرة، من خلال التداخل الذي يحدثه بين الموضوعية وبين التعبيرية الخيالية والرمزية، ومن جهة أخرى يرتد إلى لغة الفن الحديث، حين يعتمد على حركة الرسم العفوي والتلقائي والكثافة اللونية، في معالجة الإشكال وتوليف العناصر والرموز، دون أن يفقد الأمل بعودة الحياة إلى الأرض المحروقة والمستباحة. هكذا يظهر تعاطفه مع الإنسان الباحث عن ولادة جديدة، تنشد الحرية والسلام والخلاص من مأساة الحياة الراهنة، المتشحة بسواد الحرائق وآثار القذائف المتفجرة بقوة.‏

ورغم قوة عنصر التعبير المأساوي، تبقى النكبة السورية، فوق مستوى التعبير بالصور والكلمات، والخطوط والألوان والكتل والرموز وكل وسائل التعبير السمعية والبصرية.‏

وليس مطلوباً من الفن أو الأدب أن يكون صورة وصفية أو نمطية أو فوتوغرافية عن الواقع، لأن الصور التسجيلية من اختصاص التاريخ والأعمال التوثيقية، وليست من مهام الفن أو الأدب، ولهذا جاءت أعماله معبرة عن الاحساس بالحدث المأساوي، بدلاً من التجسيد او النقل الحرفي.‏

والتكثيف التعبيري مطلوب، بقصد ابراز حدة أحاسيس الحضور الانساني، في أزمنة الموت والخراب والتوتر والترقب والكآبة وانتظار الولادة الجديدة والخلاص، حتى إن التكثيف التعبيري في أقصى حالاته يقف عاجزاً عن التعبير عن مرارة الحقيقة، ويوميات الموت ومشاهد الاشلاء الانسانية والخطف والتهجير والخراب والدمار.‏

هكذا تبرز رائحة الحقيقة وهمجية العنف المجنون لهدا العصر، اضافة إلى اننا نلمس في بعض أعماله اصراراً على استخدام بعض الرموز مثل رموز الطبيعة والشمس والشجرة والطير والبيضة.. وهذا التداخل بين ادوات الشر ورموز الحياة يمنح المشاهد فسحة من التفاؤل، بالرغم من اعتماد اللون الاحمر الذي يرمز في احيان كثيرة إلى الدم أو إلى النار.‏

وهكذا جاءت أعماله كخطوة للتعبير عن فجائعية الواقع، ومرارة المرحلة، وكل ذلك بلغة تشكيلية خالصة وبعيدة عن لغة المخاطبة الجماهيرية العامة. فالمسافة شاسعة جداً بين رؤية اللون والتكوين والخط والتقنية والأسلوب، من وجهة نظر تشكيلية بحتة، وبين رؤية الرمز أو الدلالة التي تبرزها اللوحة المرتبطة بأيام وفصول الارهاب والقتل والخراب والرعب.‏

facebook.com/adib.makhzoum‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية