تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


«الثورة» تـجول في حي جوبر بعد تحـريره من الإرهاب...لغـز « مدينـــة الأنفاق » .. خرائط الحفر الغــربي يسـقط فيها مرتزقة « فيلق الرحمن »

الصفحة الأولى
الأربعاء 4- 4 -2018
عزة شتيوي - ظلال غصون

لم تكن المسافة بعيدة الى شمال شرق العاصمة دمشق .. سبع سنوات اختصرت بسبع دقائق.. ها نحن داخل جوبر خطواتنا ملغّمة بالحذر المخزّن من هذا الحي الذي انطلقت منه قذائف وصواريخ الإرهاب طيلة سنوات الحرب وقتلت وبترت أمان البيوت الدمشقية.

‏‏

ابتسامات الجنود وحدها كانت كافية لتعيد الطمأنينة إلى قلوبنا.‏‏

صدقوا نعم جوبر آمنة مئة بالمئة- يبتسم قائد ميداني ويرفع العلم العربي السوري ويقول ((انقلوا هذه الصورة لكل العالم ودعوا المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة ((نيكي هالي)) تنتحب على مرتزقتها الفارين من هنا إلى ادلب)).‏‏

في جوبر لم نمش فوق الأرض بقدر ما تنقلنا تحتها وعلى عمق عشرة أمتار، إنها مدينة للأنفاق تحت حي جوبر، لم يبالغ قائد عسكري عندما قال إن من صممها هو الموساد والاستخبارات الغربية فمثل هذا التحصين الهندسي والقدرة على التخطيط لا يمكن لعقول جاهلية كعقل ((جيش الإسلام وفيلق الرحمن)) أن يكون قادراً على إنجازها لولا الدعم الغربي لهم.‏‏

في الجولة الإعلامية داخل حي جوبر كان لافتاً حجم الدمار الهائل هناك، فهي شكلت على مدى سنوات الرهان الوحيد للإرهابيين في حلم الدخول إلى دمشق، وخط النار الأول لهم خاصة أنها الأقرب لقلب العاصمة، جزء منها تهدم فوق رؤوسهم خاصة أنهم استثمروا كتلها العمرانية المرتفعة للقنص وبناء المعلمين هناك يدل على شراسة المعارك لكن الجزء الأكبر منها عمد ((المسلحون)) إلى هدمه تفخيخاً لتحصين أنفاقهم.‏‏

تحت كل بناء وكل غرفة نفق يرتبط بشبكة انفاق.. هي ليست مبالغة إعلامية بل هي حقيقة رصدناها ومشينا بين دهاليزها من مكان لآخر.. من مدرسة الخنساء التي كانت صرحاً علمياً وحولها الإرهابيون إلى مقر رئيسي لهم تستطيع أن تدرك وأنت تهبط تحت الأرض من نفق لآخر ربما يقودك آخره إلى آخر نقطة في الغوطة الشرقية وأطرافها.. كم كان هؤلاء الإرهابيون همجيين وقتلة فهم عاشوا تحت الأرض ((كالجرذان)) ببدائية مطلقة وكانوا خائفين لدرجة زراعة الألغام بجانب فراشهم ليعوقوا تقدم الجيش العربي السوري.‏‏

لا شيء يدل على هوية من كانوا يرمون القذائف بمرابض حفروا لها أنفاقاً ليضربوا المدنيين في دمشق ويختبئوا كالجبناء.. لاشيء يدل سوى بعض الأغراض والأوراق ومخازن الأسلحة التي لم يطلها الحريق.. فقد حرقوا مقراتهم قبل أن تحترق ورقتهم ويخرجوا صاغرين.‏‏

كان لافتاً أن هناك بقايا للحى محلوقة تعود للإرهابيين تركت كأثر لفزعهم فسألنا قائداً ميدانياً هناك.. هل هؤلاء دخلوا بالتسوية؟!‏‏

أجابنا القائد بكل ثقة اطمئنوا نحن نعرف كل شيء.. فقط اطمئنوا.. نعرفهم إرهابياً.. إرهابياً.. خططنا كثيراً لهذه اللحظة ويحق لنا أن نفرح وأن يفرح الدمشقيون.. جوبر آمنة ولن تسعموا أو تروا بعد اليوم فيها سوى أصوات ضجيج الحياة قادمة من حي العباسيين.. ننصت قليلاً ونسمع صوت الآذان وصوت طبول كشاف كنيسة ((الكرلوس)) القريبة من جوبر تحتفل بالعيد.. نعم هو العيد يدخل لجوبر هذه السنة.‏‏

‏‏

كتلة سرطانية‏‏

من وسط حي جوبر كانت انطلاقة صحيفة الثورة حيث مدرسة الخنساء التي كانت المقر الرئيسي لإرهابيي فيلق الرحمن هناك حيث يدلك المكان بأن اشرس المعارك حدثت في هذه المنطقة التي عثر فيها الجيش العربي السوري على شبكة كبيرة من الأنفاق تحت المدرسة التي حولها الإرهابيون من صرح علمي إلى مقر رئيسي لانطلاق عملياتها التي يديرونها من القبو حيث حفروا تحت 4 طبقات من الأنفاق أكبرها نفق للسيارات يصل طولها إلى 4 كيلو مترات ويتفرع عنه عشرات الأنفاق للمشاة ويصل هذا النفق حتى عين ترما ويتفرع عنه فرعان آخران احدهما إلى زملكا في الغوطة الشرقية والآخر يؤدي إلى شمال حي القابون كما يوجد 4 أنفاق أخرى احدها وجدت فيه سيارة متفجرة يبدو أن الإرهابيين قد فخخوها لإعاقة مرور الجيش السوري.‏‏

‏‏

من يدخل النفق الكبير يلاحظ أن هذا النفق حفر وحصن بشكل يدوي ثم تدخلت آليات لتوسيعه حيث شكل عقدة مواصلات تأخذك أنفاق المشاة فيها إلى اغلب المباني في جوبر.‏‏

كيف حفرت هذه الأنفاق؟!‏‏

قائد ميداني تحدث لصحيفة الثورة عن هذه الأنفاق قائلاً: من الواضح أن هذا الأنفاق حفرت بتخطيط غربي واستخدام المخطوفين لحفرها وهذا ما يفسر السبب الرئيسي لأعداد المخطوفين الكبيرة التي وجدت في الغوطة كما تدلنا اعداد السجون هنا والتي وجدت عند دخولنا إلى أن بعض المخطوفين كانوا يقيمون هنا لتسخيرهم بهذه الأعمال ويدلنا على ذلك وسائل التعذيب الموجودة وآثار الفؤوس الموجودة على جدران أنفاق المشاة المحفورة يدوياً ويتابع القائد الميداني يبدو أن ((المسلحين))لم يتنقلوا فوق الأرض أبداً حتى انهم يطلقون قذائف الهاون من مرابض مخفية من حفر مفتوحة في نهاية بعض الأنفاق.‏‏

‏‏

كما استخدمت أنفاق أخرى لتمرير المؤن والإسعاف بين بلدات الغوطة الشرقية كلها فلم يكونوا محاصرين أبداً وكل من يقول انهم كانوا جائعين أو أن حالات ((إنسانية)) خطرة تواجدت في جوبر باستثناء إصابات ((المسلحين)) من ضربات الجيش فهو كاذب لأن جوبر كانت خط نار ساخناً وخالية من أي مدنيين فهم يتواصلون مع عائلاتهم التي رحلوها إلى باقي بلدات الغوطة في فترة الحرب عبر الأنفاق.. فلا داعي للنفاق الإنساني..‏‏

« المـقبـــــرة »‏‏

كان واضحاً لكل من يتجول في جوبر أن الإرهابيين حاولوا تدمير كل شيء وخاصة المناطق الأثرية هناك ولكن اللافت أن أهم الآثار قد هربت بالاتجاه الذي يهمه أمرها وخاصة أن المعلومات تفيد بأن في جوبر أقدم ((كنيس يهودي)) يبدو أن ((المسلحين)) قد هربوه وهو ما قاله لنا أحد العناصر المتواجدة هناك حيث أشار بأنه متواجد على محور جوبر منذ سبع سنوات وخلال عملية الرصد والاستخبار عما يفعله الإرهابيون كانت المعلومات تأتي ومنذ بدء الأحداث بأن ((مسلحي جوبر)) فككوا هذا الكنيس وهربوه بحسب تعليمات الموساد الاستخباراتي وعند دخول الجيش لم يجدوا أثراً له وحتى مكانه المفترض يبدو أنه مدمر بشكل كامل.‏‏

هذا ما قاله لنا أحد العناصر وهو يدلنا على منطقة المقبرة التي كانت فيها ((عقدة)) المعركة والتي انطلقت منها المرابض الموضوعة فيها هناك ضمن حفر تتفرع منها انفاق.. الكثير من القذائف التي تسببت باستشهاد آلاف المدنيين والعسكريين.‏‏

وإلى جانب جامع جوبر الكبير والذي طالته يد الإجرام المدعية ((الإسلام)) دخلنا إلى مبنى في شمال جوبر فيه نفق كبير ومستودع للأسلحة وتم العثور فيه على عدد هائل من المعلومات الموثقة.‏‏

هاتف مفخخ.. بيننا!!‏‏

من نفق لآخر استهلك التنقل ما يقارب الساعتين كان رجال الجيش السوري يتقدمون أمامنا ثم ارتفع صوت احد الجنود توقفوا هنا لو سمحتوا ذهب أمامنا وتفرع عنا في نفق آخر ليقول احرصوا على سلامتكم وامشوا على خطواتنا وأخذ العناصر هنا يفكك عبوة ناسفة مجهزة على هاتف..‏‏

من الواضح أن كل الأبنية في جوبر مفخخة والجيش السوري لا يزال يقوم بعمليات التمشيط فيها وقد أكد لنا القائد الميداني أن لا مفاجآت في جوبر فقتالهم على مبدأ الجيش الإسرائيلي يعتمد على خطوط الإعاقة بحيث اذا تقدم الجيش السوري تنفجر كل الأمكنة أمامه لذلك فإن وحدات الهندسة تتفقد كل الأمكنة بدقة وحذر وانتم كما شاهدتم العناصر متواجدة لسلامتكم فهم أيضا يستهدفون الصحفيين ويحاولون النيل منهم لذلك لا تلمسوا أي شيء إلا بعد أن تخبرونا.‏‏

امسك القائد الميداني بدفتر وأعطانا إياه كوثيقة لجريدة الثورة حيث وجد في هذا الدفتر كتابات وأرقاماً ومعلومات متفرقة عن حجم الحشوات والسمت الذي كان يستخدمه الإرهابيون لرمي القذائف، إضافة إلى كتابات متطرفة تتحدث عن التكفير وكان واضحاً أن من كتبها يكاد لا يفقه شيئاً باللغة العربية.‏‏

خالية من المدنيين.. ومسروقة!!‏‏

عند سؤالنا القادة الميدانيين هناك عن أكثر ما لفت أنظارهم عندما دخلوا إلى جوبر أجاب أحدهم وهو يبتسم إن المدينة خالية من المدنيين باستثناء بيتين فقط وهي منطقة عمليات حربية اتكأ عليها الإرهابيون بعد أن قاموا بتفريغها تماماً وسرقتها ومن يدخل إلى المباني هنا لا يجد أي أثاث يذكر فقد سرق الإرهابيون كل شيء في هذا الحي بدءاً من البيوت والمباني الحكومية والمشافي فلا يبدو هنا أي شيء يدلك على حياة باستثناء بعض أشجار كان النهر سبيلها لأن تبقى صامدة، تخيلوا أن القبور لم تسلم منهم فحطموها وهذا يدل على ((العقيدة الوهابية لهم)).‏‏

‏‏

فـــــرز المــــوت حســـــب المســـــافـــــة..‏‏

اللافت في مستودع الأسلحة الذي تم العثور عليه ليس أن القذائف والعبوات الناسفة وخرائط الأنفاق بقيت حيث نسيها المسلحون في ضجيج ذعرهم عن الفرار والخروج بل ان هذه القذائف والصواريخ مقسمة ومنسقة بحسب المنطقة التي يتم استهدافها لدرجة أن بعض القذائف وجدت عليها لصاقات تحمل اسم سيرونكس وأخرى اسم ((منطقة الجورة)) ولصاقات أخرى لصقت على صواريخ معدة لاستهداف أحياء دمشق البعيدة كالمزة‏‏

‏‏

وقذائف ذات لصاقات مخصصة لاستهداف أحياء باب توما وجرمانا ودويلعة وعندما سألنا عن ماهية هذه اللصاقات قال لنا القائد الميداني انه تخطيط عال لا تقدر عقولهم المنغلقة على فعله لولا أنهم يستعينون بالغرب ولاحظوا ان الكثير من القذائف هي محلية الصنع لكننا قد عثرنا على مستودع ذخيرة لقذائف تركية يستهدف فيها المدنيون في منطقة التجارة والقصاع ويعرف المستودع باسم الحمام القديم كما عثر على بقايا ذخيرة لقناصات كانت تتمركز في برج المعلمين..‏‏

‏‏

كما يوجد الكثير من المصانع لتصنيع العبوات الناسفة والحشوات كلها كانت تحت الأرض وهذا ما يفسر أن جوبر أخذت وقتاً طويلاً.‏‏

‏‏

جوبر وحكاية عسكرية في 7 سنوات‏‏

في غمرة الفرح التي كانت تنضح من تفاصيل وجه الجنود رأينا في تقاسيم الأرواح غصة تحدث عنها احد الجنود وقال لنا كم كنت أتمنى أن يقاسمني محمد هذه الفرحة هو وكل الشهداء الذين سقطوا على محور جوبر.. ويتابع الجندي علي بغصة متواصلة هذا الحي أصعب نقطة عانينا منها خاصة على محور سوق الزبلطاني ومجمع 8 آذار.‏‏

كانت المعركة كسر عظم بذل فيها الإرهابيون كل إمكاناتهم وإمكانات مشغليهم وارتقى مئات الشهداء من الجنود السوريين الذين كانوا المحور الأول للدفاع عن العاصمة دمشق فقد قام الإرهابيون بعشرات الهجمات من فوق الأرض ومن تحتها للوصول الى العاصمة دمشق ولكن النخبة من جنود الجيش حالت دون تحقيق أضغاث أحلامهم..‏‏

نهدي النصر لروح الشهداء‏‏

لأنها الأقرب الى العاصمة دمشق كانت هي كما وصفها القادة الميدانيون راس الأفعى الإرهابي.. هذه المنطقة جوبر حي تحول لمنطقة ((حربية)) في شمال شرق العاصمة دمشق كانت الأخطر في هجماتها وقد تسلل الإرهابيون منها محاولين الوصول الى ساحة العباسيين عدة مرات ولكن القيادة العسكرية والسياسية أولتها اهتماماً كبيراً كما كل المناطق ووضعت فيها قوات النخبة من الجيش العربي السوري لخطورتها على أمن العاصمة وكما زار الرئيس بشار الأسد في معظم الجبهات القتالية.. زارها وخصص لها اليوم الأول من كانون الثاني عام 2015 ليظهر محتفلاً مع الجنود بعشاء رأس السنة الميلادية وليعطي إشارة نصر جديدة في هذا الحي الذي بدأ يسقط تدريجياً وانحسر في أجزاء كبيرة منه إلى أن سقط ضمن اتفاق التسوية الذي تم منذ عدة أيام ليسقط الرهان على جوبر والغوطة الشرقية كلها ولتعود العاصمة دمشق آمنة بنسبة مئة بالمئة ما عدا بعض البقع في القدم ومخيم اليرموك.‏‏

انتهت حكاية جوبر ((الموت)) وبدأت حكاية إعادة الإعمار وبين الحكايتين نلتقط الصور ونوثق للتاريخ كيف سقطت مشاريع الغرب المتقدم كلها بالقرب من سوق الهال الدمشقي القديم.‏‏

‏‏

بــوابـــة الخطــــر التـي تهـــدد العــاصمـــة... أغلقــت بإحكــــام‏‏

خلال العام 2013 ردد روبرت فورد، الذي كان مكلفاً بملف المعارضة السورية في إدارة الرئيس السابق باراك اوباما، أنّ المجموعات الإرهابية المسلحة في حي جوبر تقف على بعد 300 متر من ساحة العباسيين في دمشق. كان فورد يؤشر على أن سيطرة الإرهاب على العاصمة بات قريباً وإن الدولة السورية أصبحت بين خيارات محدودة، واليوم يرسل له الجيش العربي السوري بانتصاره ولكل من كان يشبهه بتوقعاته غرباً وشرقاً رسالة مفادها «هنا دمشق»، كصفعة لتجعلهم يستفيقون من أوهامهم الإجرامية، وإن قدرات الجيش العربي السوري لا تتوقف عند هذا الحد بل هذا الجيش يوسع فتحة بيكاره ويرفع من سقفه عالياً لتحرير كل الأرضي السورية من رجس مرتزقيهم.‏‏

«حي جوبر» أحد أحياء دمشق، كان يعتبر شريانها الاقتصادي وبوابة الغوطة الشرقية.‏‏

تكمن أهمية حي جوبر الدمشقي بقربه من ساحة العباسيين وسط العاصمة السورية دمشق والتي تحمل أهمية رمزية كبيرة، كما تحتوي على مواقع استراتيجية.‏‏

حي جوبر الدمشقي الذي يقع بين حيي القصاع غرباً والقابون شمالاً، وبلدتي زملكا شرقاً وعين ترما جنوباً، شهد في السنوات الماضية أعنف المعارك التي دمرت معظم أبنيته وبناه التحتية، كما هجر عشرات الآلاف من سكانه الذين وجدوا من اتخاذهم لقرار خروجهم من حيهم الذين أمضوا فيه سنين طويلة أفضل من بقائهم تحت إرهاب هؤلاء المجرمين المجردين من أي مبدأ إنساني.‏‏

‏‏

في منتصف مايو 2017، انهى الجيش السوري تمشيط حي القابون المحاذي لمدينة جوبر ومضيقاً الخناق على «جبهة النصرة» و«فيلق الرحمن» والفصائل المسلحة المتحالفة معها في الغوطة الشرقية، ليتبقى حي جوبر الخطر الذي يهدد العاصمة، فجاء قرار الدولة السورية بإنهاء هذا الخطر وكسر قواعد الاشتباك مع اللاعبين الإقليميين والدوليين وأولهم واشنطن.‏‏

وفي 20 أيار 2017 أطلق الجيش السوري وحلفاؤه عملية واسعة للسيطرة على مدينة جوبر من ثلاثة محاور، اثنان من مدينة جوبر والثالث من بلدة عين ترما.‏‏

ولا بد من الإشارة إلى أن المعارك على جبهة جوبر لم تهدأ منذ عام 2013، وإنما كان يتخللها هدوء نسبي أو مناوشات روتينية.‏‏

من خلال ما شهدناه في معركة جوبر الحالية والذي آلت فيها الأمور إلى انتصار الجيش العربي السوري وانهزام هذه المجموعات الإرهابية وهي تجر خلفها ذيول خيبتها.‏‏

لا يمكن لنا إلا أن نؤكد ارتباط جبهة جوبر ارتباطاً وثيقاً بما يحصل في منطقة التنف ودرعا والقنيطرة، أو بالأحرى فيما يحصل على كامل الجنوب السوري، حيث كانت تأخذ المعركة هناك برأس حربتها منطقة جوبر سمة إعادة توازن القوى داخل ساحة الحرب السورية، وجاءهم الرد على ذلك من قبل الجيش العربي السوري خلال الأشهر الثلاثة الماضية بهزيمة «تنظيم داعش» وإجباره على التقهقر بعد أن حرر مساحات واسعة من وسط وشرق سورية قاربت الـ 30 ألف كم مربع، وتأسيسه لطريق بري يربط العراق بسورية.‏‏

وكان لسيطرة الجيش السوري على جوبر اهمية في إبعاد الأعمال الارهابية العدوانية عن دمشق والتي كان آخرها في آذار الماضي عندما حاول الارهابيون وصل حي جوبر بالقابون والسيطرة على عقدة القابون التي تشكل نقطة استراتيجية محورية في التحكم بمدينة دمشق والسيطرة عليها حيث حاول المسلحون الدخول الى هذه المنطقة انطلاقاً من جوبر وهدفهم الأساسي كان عقدة القابون بالإضافة إلى ساحة العباسيين , وذلك لفرض شروط ضاغطة على الدولة السورية لكسب أوراق تفاوضية وتهديد العاصمة دمشق بالوصول عبر بساتين العدوي الى قلب مدينة دمشق الأمر الذي كان يشكل خطراً كبيراً على دمشق .‏‏

هذا السيناريو المعتمد من المجموعات الارهابية كانت الدولة السورية تدركه , حيث ان قوات الجيش السوري صمدت بشكل مستميت ولم تسمح للمسلحين بإحداث أي خرق امني .‏‏

وايضا من البعد العسكري للسيطرة على حي جوبر يكمن في تفكيك شبكة الانفاق التي كانت تمدهم بالسلاح والمسلحين وغير ذلك , وكانت تؤمن خط التواصل ونقل المخطوفين والمسلحين من وإلى الغوطة الشرقية حيث اعتبرت جوبر خط القتال الاول‏‏

إن الحرب السورية منذ عام 2011 قد انطلقت اساسا من ارادة غربية بقيادة الولايات المتحدة لبلقنة سورية وإنهاء الدور السوري في المشرق العربي , حيث تشكل سورية الخصم الاكبر في وجهها والقوة الكبيرة التي يصعب التعامل معها .‏‏

‏‏

بين حكاية الموت وحكاية إعادة الإعمار خسر الغرب تجارته قرب سوق الهال‏‏

إلى ما قبل التسوية التي قضت قبل أيام بإجلاء الفصائل الإرهابية المنتشرة فيه، كان حي جوبر الواقع على الأطراف الشرقية للعاصمة دمشق خط القتال الأول والأعنف منذ بدء الحرب الإرهابية على سورية في العام 2011، وقد شكل هذا الحي بمساحته الكبيرة وقربه ومجاورته لأحياء عديدة مهمة وإطلالته على المتحلق الجنوبي وبسبب اتصاله المباشر بالغوطة الشرقية، معقلاً رئيسياً للإرهابيين الذين استهدفوا العاصمة على مدى سنوات الحرب بعشرات آلاف القذائف والصواريخ راح ضحيتها آلاف الشهداء والجرحى بين المدنيين، كما كان منطلقاً للعديد من الهجمات التي شنها الإرهابيون بهدف السيطرة على أحياء العاصمة الملاصقة له.‏‏

‏‏

الحي تاريخياً‏‏

تعود تسمية حي جوبر إلى غار كان يقصده ويختبئ فيه نبي الله إلياس، وقد احتوى الغار على جب صغير (بئر ماء) ونظراً لأن المنطقة كانت برية أي خارج سور مدينة دمشق التاريخي وأشبه بغابة بالنظر لاتصاله ببساتين الغوطة الشرقية فقد سمي المكان (جب بر) ومع مرور الوقت تطورت التسمية إلى جوبر.‏‏

يقع الحي في شمال شرق دمشق، بين باب توما والقصاع والتجارة غرباً والقابون شمالاً وعين ترما وزملكا شرقاً وعين ترما والدويلعة جنوباً، ويعتبر بوابة الغوطة الشرقية إلى مدينة دمشق، وهو أحد شرايينها الاقتصادية الممتدة باتجاه حرستا والقابون لما فيه من تعدد مجالات العمل من مهن شعبية وحرفية وطبية وتجارية وصناعات صغيرة إضافة إلى مرافق ومؤسسات حيوية.‏‏

يوجد في حي جوبر أوابد أثرية مثل الحمام القديم الذي يعود تاريخ بنائه إلى العهد العثماني أي قبل نحو 650 سنة كما يوجد فيه كنيس يهودي قديم، وفيه أقدم نادٍ رياضي في سورية هو نادي ميسلون، وعلى أطرافه (ملعب العباسيين الدولي) ومركز رياضي يتبع لوزارة التربية وفيه مسبح وملعب لكرة القدم والسلة، وبالقرب منه أيضاً مشفى العباسيين ومركزين تجاريين حكوميين هما (مجمع العباسيين) التايم سنتر حالياً ومركز الثامن من آذار ويوجد في جوبر أيضاً سوق الهال الجديد ومركزين صحيين أحدهما للتوليد وهما مجانيين يتبعان لوزارة الصحة ومشفيين خاصين هما العباسيين والمودة.‏‏

شهد حي جوبر منذ بداية الحرب الإرهابية على سورية وبالتوازي مع ظهور الجماعات المسلحة في مناطق مختلفة من البلاد حراكاً معادياً للدولة السورية استخدم عناوين وشعارات مضللة للتغطية على الهدف الحقيقي لهذا الحراك، ثم تطور إلى تمرد مسلح قام بتخريب مؤسسات الدولة واعتدى على المواطنين ما أدى إلى تهجير العدد الأكبر منهم، لتظهر بعدها وبشكل علني تنظيمات إرهابية تكفيرية مدعومة من جهات إقليمية كقطر والسعودية ودول أخرى تمكنت من السيطرة على الحي في منتصف 2012، ليتحول بعدها إلى جبهة مشتعلة تمتد على القسم الأهم من الطريق الدائري الجنوبي باعتباره إحدى الجبهات المتقدمة باتجاه العاصمة.‏‏

التنظيمات الإرهابية في جوبر‏‏

يعتبر الفصيل الإرهابي المعروف بفيلق الرحمن وحركة أحرار الشام الإسلامية وما يسمى جيش الفسطاط وجيش الأمة ـ تمت تصفية عناصره على يد فيلق الرحمن ـ إضافة إلى فصائل أخرى تابعة لـ (هيئة تحرير الشام) الإرهابية وهو الاسم المعدل لجبهة النصرة فرع تنظيم القاعدة في سورية أبرز التنظيمات التي كانت تنتشر في حي جوبر وتشن اعتداءاتها الإرهابية انطلاقاً منه، وقد استفادت هذه التنظيمات من شبكة أنفاق حفرتها تحت الأرض لتحصين نفسها وحماية تحركاتها وأنشطتها الإرهابية من سلاحي الطيران والمدفعية للجيش العربي السوري، كما استفادت هذه التنظيمات من الدعم اللوجستي والتسليحي الذي كان يأتيها من جهات خارجية مروراً بالغوطة الشرقية المفتوحة على البادية السورية وصولاً إلى الحدود الأردنية حيث توجد هناك غرفة (موك) أبرز غرف العمليات التي أدارت الحرب الإرهابية ضد سورية.‏‏

خلال السنوات الست التي تلت سيطرة الإرهابيين على حي جوبر شنت التنظيمات المذكورة عدداً من الاعتداءات الإرهابية العنيفة على العاصمة دمشق بغية السيطرة على الأحياء الملاصقة لها كان آخرها ما يسمى عملية (يا عباد الله اثبتوا) قبل أكثر من عام وقد تلت اتفاق مناطق خفض التصعيد الموقع في آستنة ولكن منيت جميعها بالفشل، وتم قتل عدد كبير من الإرهابيين المشاركين فيها، وقياساً بما قدّم للإرهابيين في حي جوبر من تمويل وتسليح ودعم خارجي بقي هذا الحي واحداً من أبرز الرهانات المستمرة للدول الداعمة للإرهاب من أجل لتأثير على قرار دمشق، وهذا ما يفسر بقاء حي جوبر كجبهة دائمة الاشتعال في محيط العاصمة مشكلاً التهديد الأكبر لحياة المدنيين عبر قصف المدينة بالقذائف والصواريخ واستهداف الأبنية والأحياء المجاورة والعابرين على الطريق الدولي برصاص القنص وتجهيز المفخخات والانتحاريين وإرسالهم إلى العاصمة، إلى أن تمكن الجيش العربي السوري قبل أيام من استعادة حي جوبر بعد نجاحه في حسم معركة الغوطة وإخراج عناصر التنظيمات الإرهابية منه مع باقي التنظيمات الموجودة في حرستا وزملكا وعربين وعين ترما.‏‏

يذكر أن حي جوبر كان آخر معقل رئيسي للإرهابيين في شرق مدينة دمشق منذ استعادة الجيش العربي السوري السيطرة الكاملة على أحياء القابون وبرزة في وقت سابق من أيار 2017.‏‏

الأهمية الاستراتيجية لتحرير جوبر‏‏

بتحرير حي جوبر من الوجود الإرهابي تعود دورة الحياة الطبيعية إلى الأحياء الشرقية في العاصمة دمشق وكذلك الضواحي القريبة منه، كما يستعيد المتحلق الجنوبي دوره كشريان حيوي يربط العاصمة بباقي بلدات الغوطة المحررة، ويتوقع بعد المباشرة في إعادة الإعمار وعودة مؤسسات الدولة إلى الحي أن تستعاد دورة الحياة الاقتصادية فيه، كما يعني تحريره أيضاً تجريد محور العدوان على سورية من أهم أوراق الضغط العسكرية التي كان يلوح بها في وجه الدولة السورية، ولا شك بأن زوال التهديد الإرهابي من جوبر وباقي بلدات الغوطة عموماً يسمح للجيش العربي السوري المحتشد لحماية العاصمة بالذهاب إلى جبهات أخرى لحسمها، وهو ما قد يكون له أثر كبير في إنهاء الحرب والبدء بحل سياسي وفق رؤية موضوعية تحقق مصالح وتطلعات الشعب السوري بعيداً عن التهديد والإرهاب والتدخل الخارجي.‏‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية