تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


النضال الثقافي.. ضروري لحمايتنا من الاندثارِ والعدمية»

ثقافة
الخميس 28-6-2018
هفاف ميهوب

ينحتُ في اللغة بطريقةٍ ساحرة، تُشعركَ وكأنهُ ينحت جوهرة.. اللغة التي دعا بها، إلى مادعا إليه في «الفراشة والغيلان». المحبة والتآخي ونبذ الأحقاد والحروبِ وتعصّب الأديان.

فعل ذلك، بعد أن اضطرّته الحياة المريعة، لجرجرةِ «رأس المحنة» إلى «سرادق الحلم والفجيعة». سرادق ماضٍ مدنَّس،‏‏

حاكمه على ماورّثه لحاضرِ «العشق المقدنس».. حاكمه وألحَّ في السؤال: لِمَ ارتضيتَ «الحب ليلاً.. وفي حضرة الأعور الدجال».‏‏

إنه الكاتب والأديب والمسرحي الجزائري «عز الدين جلاوجي» الذي سعينا ولكونه أيضاً، صاحب تجربة «خاطفة وآنية ونقدية» في الكتابة المسرحية، سعينا لمحاورته وسؤاله:‏‏

‏‏

- «تنظرُ نفسي إلى نفسي.. أستنسخُ نفسي من نفسي».. كلماتٌ أنت قلتها، فهلاَّ نظرتَ إليكَ وعرفتَنا بكَ؟..‏‏

__ يقف المبدع دوماً ملحاحاً في طرح الأسئلة على نفسه وواقعه، مشكِّكاً في كل ما حوله، باحثاً عن الاستقرار الذي لا يتحقق، وهو بذلك يتجاوز حالة البلادة والسكون، مندفعاً إلى الأمام في حركية مستمرة.. لذا، أحسُّني كالعنقاء أولد من جديدٍ مع كل نصٍّ جديد. أحترق بلهيبِ النص الذي أتقمصه ويتقمَّصني.. أصير رماداً ثم أنتفض خلقاً آخر، فكلما تعددت كتاباتنا وأشكالها ازددنا إيغالاً في الفناء والبعث.. في الاحتراق والتجدد.‏‏

هذا أنا عبر مرآتي، أما أنا ذاتي، فعاشق منذ سنٍّ مبكرة، للكتابة الأدبية التي بدأت بنشرِ نتاجاتي الأولى منها، منذُ الثمانينيات وفي الصحف الوطنية والعربية.‏‏

كنتُ ومازلتُ أؤمن، بأن النضال الثقافي ضروري للنهوض بالأمة، ولحمايتها من الاندثار والذوبان والعدمية.‏‏

- «كلّما اتَّسعت لغتكَ، اتَّسع إدراكك وحلمك.. أراودُ دوماً اللغة الشاعرة المرفرفة مع الشذى والفراشات والملائكة». إلى أي حدٍّ تنصاعُ هذه اللغة لإبداعكَ؟.‏‏

__ اللغة عشقي الأبدي المقدس.. أهرع إليها.. أجثو في محرابها، وأقدم قرابين الولاء والطاعة.. أعبّقها ببخور الانصياع.. أخلص لها لتمنحني الإشراق والدهشة، ولتبعثني فراشات وأحلام وبراءة ملائكية.. لتجعلني سحراً قزحياً لا ينتهي.‏‏

لايمكن للأدب أن يكون إلا اشتغالاً على لغة، والنصُّ الأدبي أشبه بهيكل الشجرة.. اللغة خضرته وثماره ورياحينه.. أعتني بكل عناصر الرواية لكن، أظلُّ أراود اللغة الشعرية حتى تلين وتصير سلسة، فهذه اللغة إن أرضيتها، منحتك ما أدهشك.‏‏

- تدعو في روايتك «سرادق الحلم والفجيعة» لمعالجة الواقع المأزوم، بتصوراتٍ أسطورية- رمزية. أفعلتَ ذلك، لأن الواقع فشلَ في بلسمةِ مانعيشه وأحاطنا بالكثير من العجائبية؟..‏‏

--- «سرادق الحلم والفجيعة» صرخة أردتُ منها تمزيق البؤس السياسي في واقعنا العربي، ولأنني أؤمن يقيناً بأنه لايمكن أن نخطو إلى الأمام في كل مناحي الحياة اجتماعياً وثقافياً ومعرفياً ووو.. لايمكن أن نخطو، مالم نكسر قيود كل دكتاتورية تقمع أنفاسنا وتصادر حريتنا. إن عمق المأساة الجرح في كل الوطن العربي، جعل واقعنا أشبه بحالة أسطورية خرافية، لا يمكن أن نعبر عنها إلا بتلك الطريقة الموغلة في السخرية والعجائبية..‏‏

- أيضاً، وفي «العشق المقدنس» تدعو لقراءة ومحاكمةِ الموروثِ التاريخي والديني الذي تراه سبب كل مآسينا. كيف وبماذا، نحاكمُ هذا الموروث؟.‏‏

--- تلك مصيبتنا ومأساتنا.. عدم مساءلة الماضي الذي علينا التسلّح بالشجاعة وتمزيق أرديته البالية.. خضّ شجرته العملاقة وإسقاط مافيها من ثمار منخورة.. أيضاً، تقليم أغصانها الجافة وحرق جذوعها الميتة.‏‏

ما أتعسنا حين نقرأ ماضينا وواقعنا بعيون الموتى، وحين ننظر لأنفسنا في مرايا متشظِّية. نعم، لابدّ من مساءلة الماضي وإعادة صياغته، ومن ثمَّ الانطلاق إلى مستقبلٍ لا ينفصل عنه كلياً، لكنه لا يكون صورة بائسة في مطابقتها له..‏‏

- تقول: «الواقع الثقافي بائسٌ. نحن بحاجة لفعلٍ ثقافيٍ يسدُّ منافذ الغوغائية التي هي بوابة للعنف والإرهاب».. برأيك، لِمَ كلّ هذا البؤس الثقافي؟..‏‏

--- الواقع الثقافي هو جزء من واقع عام، ولا يمكن أن تشهد الأمة انهياراً في كل الجوانب باستثناء جانب منها. إن الأمجاد التي حققتها الحضارة الغربية شملت كل مناحي الحياة، والانهيار عندنا عصف بكل شيء، غير أن اليقين هو أن الثقافة هي عمود كل شيء ورأسه، بازدهارها ستسري الحياة في الجانب السياسي ومنه إلى كل شيء، لذا فإن أول ما يحاربه الفاسدون الثقافة البانية الراقية، مع السعي دوماً لتقديم بدائل سيئة فاسدة تمكنهم من السيطرة أكثر.‏‏

باختصار، لايمكن أن تنهض الثقافة، إلا بنهوض كل جوانب الحياة.. سياسياً، دينياً، اجتماعياً، اقتصادياً.‏‏

- تقول أيضاً: «تبيّن أننا أمّة مازالت تقبل الاستحمار والاستعباد، وستظلُّ تحكمنا النصوص والمرويات المدسوسة». ياترى، متى نستعيد إنسانيتنا، وعلى من تقع هذه المسؤولية؟..‏‏

--- إنه دور الطبقة المثقفة المستنيرة، فعلى المثقفين القيام بدورهم. القيام بثورة فكرية تغير الواقع وترجُّ الموروث لإعادة تنقيحه وترتيبه وإضاءته. نحن نمتلك كل مؤهلات الاندفاع قدماً، ليس لتحقيق التقدم فحسب، بل لقيادة قاطرة الحضارة. طبعاً، حينما نفسح المجال واسعاً أمام العقل والمعرفة، ونمتلك الجرأة على طرح السؤال، إذ ذاك سننجو من الاستحمار لطالما، مارسته علينا نصوص قدسناها، ومارسه علينا أعداؤنا بشكل فظيع وكبير.‏‏

-آخر رواياتك «الحب ليلاً في حضرة الأعور الدجال».. علام قامت روايتك هذه، ومن انتصرَ فيها؟..‏‏

--- تقوم كتاباتي دوماً على ثلاثي «الخير والحب والجمال»، وهو ما أسعى إلى تحقيقه في كل ما أكتب، وعلى مستوى الشكل أو المضمون. أيضاً، لقناعتي أن الأدب رسالة تسعى للارتقاء بإنسانية الإنسان، مثلما بذوقه في عالمٍ ساد فيه الظلم والفساد. عالمٌ، تستّرنا فيهِ بأوراقِ توت واهية. الغربُ الهمجي يفتك بالبشرية ويبتلع خيراتها، ويتحكم في رقابها باسم الحرية والإنسانية والديمقراطية، وماهو إلا استعمار بأقنعة مختلفة.‏‏

في هذا العالم، المجدُ للإبداع، ولدفاعه عن قيمِ الخير والحب والجمال.. عن أبناء الإنسانية ممن خاطبتهم في كلّ كتاباتي: «الأرض واحدة والشمس واحدة، فتحابوا كي لاتغرقوا في دهاليز الظلام»..‏‏

- أخيراً. قدمتَ تجربة مسرحية جديدة هي «مسرح اللحظة» حيث الومضة تختصر الجملة الحوارية. أهي دعوة للتمردِ في زمنٍ يحتاج إنسانه، ولو إلى كلمة تكون شافية؟.‏‏

--- قبل هذه التجربة، خضت تجربة أطلقت عليها مصطلح «المسردية» وهي عبارة عن منحوت من المسرح والسرد، حاولت أن أكتب فيها المسرحية بطعم السرد وملمحه، دون أن أخدش كبرياء المسرح فألغي حضوره.‏‏

خضت تجربة أخرى أسميتها «مسرح اللحظة» وهي نصوصٌ أو «مسرديات» قصيرة جداً، وشعارها: «مسرح الإنسان أينما كان وكيفما كان» وتقوم على تكثيف اللغة والفكرة والشخصية والمكان والزمان، وتجعل المسرح متاحاً لمحبيه في كل مكان.‏‏

هي رحلة، تسعى لجعلِ المسرح متاحاً ومرغوباً وطارحاً للأسئلة، لأنه أقرب الفنون إلى الإنسان، وأقدر على مسرحة لحظاته، أحلامه، أفكاره، أفعاله..‏‏

بطاقــــة‏‏

- أديب وقاص ومسرحي جزائري. حاصل على دكتوراه في الأدب المعاصر من جامعة قسنطينة، مهتم بالمسرح. إبداعاً ونقداً وتدريساً.. من مؤلفاته:‏‏

- روائياً: الفراشات والغيلان، سرادق الحلم والفجيعة، راس المحنه، الرماد الذي غسل الماء، العشق المقدنس، الحب ليلا في حضرة الأعور الدجال.‏‏

- مسرحياً: البحث عن الشمس، أحلام الغول الكبير، هستيريا الدم، غنائية الحب والدم، الأقنعة المثقوبة، مسرح اللحظة، مسرديات قصيرة جداً.‏‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية