تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


قراءة نقدية.. «أوهام حقيقية».. ورغباتٌ قاتلة.. تُصـارعُ الطاقات المضيئــة بالمظلمــــــــــة

ثقافة
الجمعة 22-6-2018
هفاف ميهوب

«الرغبات العنيفة التي تختلج في صدورنا، لا تلبث أن تسيطر علينا فنصيرُ عبيداً لها، وبالنهاية تقودنا إلى الطريق الذي تختاره لنا، بينما يتملَّكنا في الوقت نفسه، الشعور بالعجزِ عن مقاومتها».

إنه ماشعر به، بطل «الإشارة» الذي بيّن الكاتب «أمين الساطي» كيف بدأت تتوضّح له حقيقة رغباته المكبوتة بشكلِّ أرقام وإشارات.. بشكلِ رموزٍ كان يشاهدها خلال يومه العادي، وقد أخذ يفسّرها، بالطريقةِ التي وجدها تُشبع تلك الرغبات.‏

هذا أول ما قرأناه كمقدمة لـ «أوهام حقيقية» مجموعة القصص أو النصوص التي كان «النوم بجانبِ الأعداء» عاجزاً عن تحقيق رغباتها، ولقسوتها وصعوبة الانقياد إلا للأحلام التي تكفي لإخراج بعض ما في الصدور، من هواجس أو أوهام يستحيلُ أحياناً ردعها أو مقاومتها.‏

لكن، وإن كان من الصعوبة ذلك في بعض الأحيان، إلا أن الإشارة تلو الأخرى، تجعل الإنسان الذي يعاني من ضغوطٍ حياتية كبيرة، ومن قهرٍ ومعاناةٍ وفشل، يلجأ إما للهلوسة بتعاطي مهدئات أو ممنوعات تقوده إلى الانتحار، وإما للرضوخ لمشاعره الداخلية التي قد تدفعه إلى القتل بعد أن ينفذ صبره، ويصاب بحالةٍ من الانفجار.‏

هنا «يفقد العقل السيطرة على تصرفات الإنسان، ويصبح الشخص الجديد يتصرّف بشكلٍ لاإرادي، يختلف كثيراً عن تصرفات الشخص نفسه الذي كنا نعرفه بالماضي».‏

نقرأ ونقرأ.. فتقودنا الكلمات إلى حالاتٍ من التيهِ والانفصام وجنون الرغبة أو الجشع الملعون.. تقودنا، إلى حيث ننتظر نهايات واعية. لكن، يداهمنا المجهول بمراوحتهِ في النهاياتٍ الفجائعية؟.‏

ربما هي الحياة، التي باتت بشعة بطريقةٍ لايمكن تجميلها بعد أن استشرت دمامل النفوس إلى أن طالت قصص النصوص. نصوص «الساطي» الذي دفعتهُ طبيعة عمله كمهندسٍ مدني، عاش ولمدة أربعين عاماً في حالة تنقّل بين مختلف البلدان التي خالط فيها، طبقات متباينة في ثقافتها ووضعها الاجتماعي وظروفها ومعاناتها. دفعته وعلى حدِّ قوله: «دفعتني للهروبِ من هذا الواقع الممل، والتحليق في هذا الفضاء الشاسع المحيط، وكانت القصة القصيرة التي طالما استهوتني وخدَّرتني وأنا أقرؤها، هي النافذة التي أحب أن أطلّ منها على القارئ، ليشاركني فيها ملامح هذه الأوهام التي رسمتها الحياة أمامنا»..‏

إذاً، هي أوهام.. نعم أوهام، وجميعها موجعة وموغلة في جعلِ شخصياته، تمرَّست في أداءِ أدوارٍ تُجسّد حقيقة ما نعيشهُ، وبشيءٍ من الخيال الذي تفوقت غرائبية الواقع على جعله يهيمن على نصوصٍ، لابدَّ لمن يقرأها، من أن يشعر بأن لايأس مع الحياةِ في ظلِّ موتٍ أو هلوسة أو هذيان أحلام.‏

هي أيضاً الرغبات التي باتت تتملّك كل إنسان، وبطريقةٍ سلبت فيها كلّ إرادةٍ أو وعيٍ لديه، وهو ما فسّره العلم، باستعبادها له وهيمنتها عليه، ولكونها: «تحفز الدماغ لإرسالِ موجاتٍ كهرومغناطيسية محمَّلة بالطاقة إلى خارج الجسم وبسرعة كبيرة جداً، ولمسافاتٍ طويلة قد تشبه الضوء في الكثير من صفاتها، ويمكن لها أن تؤثر في الأشخاص والمواد الموجودة في الطبيعة..»..‏

إنه ماأراد منه «الساطي» الانتقال إلى «الرغبة القاتلة» التي لم يَرها تسيطر على شخصياته فتجعل منها مهووسة بجلسات التأمل وإرسال موجات مركزة إلى دماغ الأشخاص الآخرين فقط، بل رآها أيضاً، تجعل الشخصية كتلة من العقد النفسية التي من الصعبِ حلّها، أو التنبُّؤ بمقدار ماقد تحمل من العنف في تصرفاتها..‏

من أخطر هذه الشخصيات «شخصٌ يؤمن بأن لكلِّ إنسان في هذا العالم سعراً محدوداً، وبأنه قادرٌ بنقوده، على شراء الأشخاص والحصول على ولائهم ومحبتهم»..‏

حتماً هو مايؤدي، إلى اصطدام الرغبات القاتلة والمدمِّرة، برغباتٍ أخرى أكثر تدميراً وقد تؤول بأصحابها، إلى رغبات إجرامية مريعة وآمرة..‏

قد تصطدم، بحالاتٍ يسعى الإنسان فيها، للقيام بأكثر من «المخطط» له وصولاً إلى تحقيق رغبات سببها، أن أحلامه قد تكون أكبر من إمكانياته المادية، وإلى الحدّ الذي يرضى فيه أن يُستغل جسده، كمستودعٍ للشرائح الإلكترونية التي ترتبط بمراكز مراقبة وتجسُّس وتحكم المخلوقات المهيمنة، أو الفضائية.‏

كل هذا وسواه، قرأناه في «أوهام حقيقية» حيث تفوقت رغبات الإنسان الأنانية، على كلّ النظريات ومنها «النمط» التي خطر للبعض الاستفادة منها، ولأنها تسيطر على كلّ واحد منّا في هذه الحياة، ولاسيما إن رغبَ بذلك لطالما: «سيسعى جاهداً وبعيداً عن كلّ التزام أخلاقي أو إنساني، للعمل على جذبِ كلِّ مايحرّضه «شغف وأوهام» غرائزه للحصول عليه، بل كل ما تستعبدهُ هواجسه لامتلاكه، مستعينةً بأمراضه النفسية المدعومة بالشعوذات والتعويذات والتمائم السحرية..‏

لاشك أنه العدم الذي تسير إليه الكرة الأرضية، والذي جعل الكاتب يسخر صارخاً ومحذِّراً من هيمنة أصحابِ القوى وصنّاع الطاقات الذرية: «إنهم قادمون» ما سيؤدي في هذه المرة إلى تدمير البشرية، وتلويث الغلاف الجوي، وهذه هي الحجة المُعلنة والمعتمدة لاستعمار كوكب الأرض من قِبل الكائنات الفضائية».‏

ربما هي «هلوسة».. لا، هي أوهام ولكن حقيقية، وهو مايراه الكاتب الذي يرى أيضاً بأن: «الحرب لم تنتهِ بسرعة. لقد بدأت الآن، وستتطلّب الكثير من تضحيات سكان الأرض لتنفيذِ ضربات معاكسة على السفن الفضائية الموجودة في السماء، والتي تنطلق منها الصحون الطائرة لتهاجم المواقع الأرضية».‏

أليس هذا مانعيشه.. نيران ونيران تشتعل في سماء الويل التي تقذفنا بحممِها.. انفجارات عنيفة متتابعة، تحيلها إلى لوحةٍ مضيئة ومخيفة، تشتعل فيها الكتل النارية الضخمة وبعدها: «يستحيل لون البقعة في السماء إلى لونٍ أسود، وكأنَّ في هذا الكون صراعاً مستمراً بين قوة الطاقة المُظلمة وقوة الطاقة المضيئة»..‏

بالتأكيد هي أوهام حقيقية. سعى الخيال لتضخيمِ مآربها المريضة، فأوقعها في «الجزيرة» ذاتها التي كان الاحتماءِ فيها من الحروب، أكثر ويلاً ومأساوية، ولأن حتمية الحرب في هذا العالم، أصبحت: «أصبحت حتمية الحرب بين القوى المتصارعة للسيطرة على موارد الكرة الأرضية، تزداد يوماً بعد يوم.. ولأنني أعتبر نفسي من الأشخاص المحظوظين الذين يؤمنون بالاتصالات الروحية بين الإنسان والطبيعة.. بالإشارات التي ترسلها السماء إلى بعض الأشخاص المختارين، دخلت في سباق مع الزمن، وصولاً بعائلتي إلى «الجزيرة».. المكان الذي أراد «نوستراداموس» الحضور إليه قبل حوالي خمسمئة عام.. أدركت الآن بوضوح أن الماضي قد انتهى، وأن جميع أحلامنا وتطلعاتنا، قد باتت خلفنا ودخلنا في عالمٍ مجهول، لايمكننا تصوّر ما يحمل لنا في طياته مستقبلاً.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية