تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


رأي.. طواحين الهواء فكرة ممتعة

ثقافة
الجمعة 22-6-2018
أيدا المولي

هذا هو الذي حارب طواحين الهواء . نصب له التمثال في وسط اسبانيا وقد خلد مع مرافقه وصكت صورته على العملة المحلية علما أنه

لم يستعمل العقل ولم يكن في روايته منطق ونهج لا استقرائي ولا استنباطي، وهو في ذات الزمن الذي أسس فيها ديكارت لمقولة :أنا أفكر إذاً أنا موجود...‏

سرفانتس الروائي الاسباني لم يطلع على المقولات العقلية ورأى أنه يستطيع محاربة الشر والفساد بسيف خشبي استخدم لعصر سالف.‏

دون كيشوت / الشخصية التي خلقها سرفانتس / تشبه كثيراً من الاشخاص الذين سيصلون الى مرحلة محاربة الشر بسيف من خشب وهذا أقصى ماتوصلت اليه عقولهم، ﻷن قدرتهم على مقارعة الواقع بنفس وسائله باتت شبه مستحيلة...‏

ازدادت حالة دون كيشوت جنونا وهو في الخمسين من عمره حيث استل سيفاً من خشب وركب حصانا هزيلا واتخذ له مرافقا ضعيف البنيه معتقداً أنه سينصف الضعفاء ويعيد لهم حقوقهم ويقضي على الشر, ولأنه لم يستطع أن يواجه الأشرار توجه الى طواحين الهواء ليس لأنه لايعرفها لكنه وجد في محاربتها وسيلة تقضي على الخوف الذي سكن بداخله ولأنه وجد أن شفرات الطاحونة توزع الهواء الشرير على البشر فيدخل في أنفاسهم فلا يخرج إلا لأذية أو مأساة.‏

لم يطق دون كيشوت الصبر حتى لاتزداد مآسي الناس فمضى على حصان هزيل برفقة فلاح بسيط ينشر العدل ولو أن الانسان قادرعلى تخليص البشر من الظلم لما توجه بطلنا الى طواحين تديرها الرياح كيفما شاءت ليضرب شفراتها فتتكسر دون أن تبدي أي نوع المواجهة او ردود الفعل .‏

كل عصر يفسر شخصة دون كيشوت على هواه فهو في ذلك الزمن يسخر من الفروسية الزائفة مستخدماً طرائق كوميدية لاذعة لتسفيه الواقع .‏

اليوم دون كيشوت هو ذاته ذلك الفارس الذي يحارب في زمن غير زمانه ويحاول التوصل الى معركة متعادلة الاطراف لكنه فشل في ذلك وهاهو يعود مرة أخرى ليحارب طواحين ا للهواء نسفت كل معنى لإنسانية الانسان وكرسته كائنا يزحف على بطنه ليعيش حياة لاتشبه حياة الزواحف...‏

دون كيشوت استمرت منذ اربع قرون وأعتقد أنها سوف تستمر لقرون قادمة لقدرتها على تأويلها في كل الأزمنة والأمكنة فما زال العدل بعيد المنال ومازالت المآسي تلف هذا الكائن الضعيف الذي سرقه آخر ضاحكا ولاهيا بزمن له وحده والباقي للطوفان.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية