تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


تـرامب وبـومبـيـو يشهران ورقة الإملاءات في وجه الأوروبيـين؟!

دراسات
الأربعاء 23-5-2018
متابعة ليندا سكوتي

ألقى وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو خطابا حول موقف بلاده من إيران حيث استمر على نهجه من عداء مضطرد لهذه الدولة، مطلقا تهديداته بفرض عقوبات صارمة غير مسبوقة ضدها.

ولم يكتف بذلك، بل عمد إلى الافصاح عن قائمة من الشروط التعجيزية التي يعلم جيدا بأن إيران سترفض الرضوخ لها. وأخذ ينذر طهران بما يجب عليها اتخاذه، ذلك الأمر الذي يعتبر مرفوضا من قبلها جملة وتفصيلا. ويبدو بأن ما صدر عنه من أقوال ليست في واقعها سوى ذريعة لتصعيد النزاع وبث الفوضى التي قد تسبق الحرب المدمرة التي يقرع طبولها الرئيس الأميركي دونالد ترامب.‏

وصفت بعض الأوساط السياسية الأميركية كلمة بومبيو بأنها «الخطة ب» المعد تنفيذها عقب قرار الرئيس الأميركي بالانسحاب من الاتفاق النووي أو اعتبرتها «استراتيجية جديدة» حيال إيران، ولم يتم حتى اليوم معرفة ماهية الخطة الفعلية والاستراتيجية التي ستنتهجها الولايات المتحدة. وفي هذا السياق، جاء في صحيفة the new American conservative ما يلي: «ليس ثمة علاقة بين ما تتخذه الإدارة الأميركية من تصرفات وما ترمي إليه من أهداف، كما ليس ثمة أي علاقة بين أهدافها وبين المصالح القومية الأميركية. ولا شك بأن إسرائيل ودول الخليج قد غمرتهم السعادة جراء ما تفوه به بومبيو من أقوال، لاسيما وأن هذا النوع من المواجهة المتهورة مع إيران أمر طالما بذلوا المساعي لتحقيقه ودفعوا بالولايات المتحدة على الاستمرار به منذ سنوات. لكن من غير المرجح أن تلقى الإدارة الأميركية الكثير من الدعم لهذا النوع من التهديد والوعيد ضد إيران في أماكن أخرى من العالم.»‏

لقد حدد بومبيو 12 بندا أمام القيادة الإيرانية للوفاء بها تتدرج من انهاء عمليات تخصيب اليوروانيوم في كافة المواقع داخل البلاد ووقف الدعم لحزب الله وحماس وشركاء إيران في منطقة الشرق الأوسط. كما طالب الوزير الأميركي سحب قواتها من سورية والتي توجد حاليا بطلب من الحكومة السورية.‏

ويبدو أن مطالب الوزير الأميركي لم تقتصر على تغيير النمر الإيراني لأهدافه برمتها بل تحويله إلى خاروف يخضع لرغبات وإملاءات الولايات المتحدة والمنافسين الإقليميين لإيران على شاكلة السعودية والإمارات وإسرائيل. وقد نوه بأن «المطالب تبدو غير واقعية» لكنه أكد بأنها ستلقى القبول والرضى من قبل حلفاء الولايات المتحدة دون أن يتقدم بأي مؤشر عن ذلك.‏

لخص خطاب بومبيو الأخطاء كافة التي ترتكبها إدارة ترامب في تعاطيها مع إيران والصفقة النووية. علما بأن ليس لدى الولايات المتحدة تأييدا دوليا لفرض قيود على الاتفاق النووي، لكن الوزير الأميركي يطالب إيران بالقبول بوقف التخصيب الأمر الذي سبق وأن أخفقت به كافة الضغوط الدولية. وبتقديرنا أن سياسته لن يُكتب لها النجاح بل إنها ستؤول إلى توسيع الهوة بين الولايات المتحدة وحلفائها في هذا المضمار.‏

إن إدارة ترامب التي تقدمت بمطالب غير واقعية وقصوى من كوريا الشمالية، تتقدم اليوم أيضا بمطالب خيالية إلى إيران. ولا ريب بأن البنود الـ 12 لن تلقى القبول من أي دولة، بل ستمثل خير دليل لكافة الدول بأن الولايات المتحدة دولة لا يمكن الوثوق بها جراء إخلالها في الوفاء بالتزاماتها، لذلك فإن إنذاراته سيكون لها مفعول مخالف ومعاكس لما تأمله الإدارة الأميركية.‏

من المؤكد بأن كل ما تقدم به بومبيو من مطالب سترفضه إيران لأنها في أغلبها تهدف إلى تسليم قرارها إلى السياسة الخارجية لواشنطن وعملائها والتخلي عن جميع الحكومات والجماعات التي تربطها بها علاقات وثيقة. ولنتخيل كيف ستستقبل واشنطن قائمة مماثلة من المطالب تتقدم بها دولة معادية لها، وعندها من الممكن أخذ فكرة كم كان خطاب وزير الخارجية الأميركي عدائيا ومثيرا للسخرية بالنسبة للحكومة الإيرانية والشعب الإيراني برمته.‏

إن ما يثير الدهشة والاستغراب أن تتظاهر الإدارة الأميركية بالاهتمام بمساعدة ومساندة الشعب الإيراني، ولو كان في ذلك قدرا من الصحة فما هي الأسباب التي تحدو بها إلى فرض عقوبات صارمة وتقديم طلبات تعجيزية يتمثل الهدف منها الاستسلام والرضوخ الإيراني؟‏

لا ريب بأن إيران لن تقف مكتوفة الأيدي بل أنها ستثير المشاعر القومية الإيرانية وتعمد إلى تقوية المتشددين وستصبح طهران أكثر تعنتا وتمسكا بشأن كافة القضايا التي طرحها بومبيو. وإن كل ما ذكر آنفا يعتبر وصفة لتصعيد التوترات وزيادة فرص نشوب حرب لا داعي لها مع إيران وحلفائها، علما بأن تلك الحرب لن تصب في الصالح الأميركي بل في صالح عملائها المتهورين.‏

يصف البروفسور في جامعة كولومبيا والتر راسيل ميد السبب الكامن وراء غضب الحلفاء الأوروبيين من تراجع ترامب عن الاتفاق النووي الإيراني قائلا: «بالنسبة للأوروبيين فإن قرار ترامب بالانسحاب من الصفقة النووية وفرض عقوبات على الشركات الأوروبية التي تربطها علاقات تجارية مع إيران يعتبر خيانة عظمى، لاسيما وأن الولايات المتحدة قد التزمت رسميا بالاتفاق جنبا إلى جنب مع الدول الأوروبية. وإن الحاق الضرر بالتجارة الأوروبية مع إيران خدمة لحلفاء واشنطن في الشرق الأوسط يعتبر تصرفا متسلطا وأحمقا، وليس تصرفاً يرتكبه حليف وصديق للأوروبيين خاصة وأن التجارة بين أوروبا وإيران أكبر منها بين الولايات المتحدة وإيران.»‏

ذكرت صحيفة Wall Street Journal إن الخلاف القائم بين الحكومات الأوروبية وإدارة ترامب بشأن التعاطي التجاري الأوروبي مع إيران، يهدف للتأكيد على حق تلك الحكومات في إدارة سياستها الخارجية بعيدا عن الاملاءات الأميركية. لهذا السبب، فإن خطاب بومبيو الناري المنافي للمنطق لم يفت في عضد أوروبا، ومن المؤكد بأن حلفاء واشنطن الأوروبيين لن يقدموا الدعم لخطة الإدارة الأميركية. ولا ريب بأنهم سيعترضون على تلك البنود بأشد العبارات.‏

إن القضية بالنسبة للأوروبيين لا تقتصر على فرض عقوبات على الشركات الأوروبية التي تتعامل تجاريا مع إيران فحسب بل ما تسعى إليه واشنطن من فرض إملاءاتها المخالفة لرغباتهم. ومن الطبيعي أن تبدي تلك الدول اعتراضا على محاولات معاقبتهم جراء التمسك بالاتفاق الذي شجعتهم الولايات المتحدة على دعمه قبل بضع سنوات. وفي واقع الأمر، فإن إدارة ترامب قد خانت العديد من حلفائها الحقيقيين عندما نكثت عن المعاهدات التي تم إبرامها وذلك خدمة لمصالح بعض عملائها الذين يرغبون بتصعيد التوتر مع إيران وقرع طبول الحرب في منطقة الشرق الأوسط.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية