تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


خيــــال الظـــــل

استراحة
السبت 19-7-2014
عرف العرب خيال الظل للمرة الأولى خلال القرن السادس الميلادي في العصر العباسي؛ ليفد إلى مصر زمن الفاطميين في القرن الحادي عشر ويزدهر تحت حكم الأيوبيين والمماليك. وخلال تلك الفترة، عُرفت تمثيليات خيال الظل باسم الـ بابات ومفردها بابة .

ويُعد شمس الدين بن عبدالله محمد ابن دانيال الموصلي أشهر من كتب البابات وطور مسرح خيال الظل في تلك الحقبة. وهو طبيب وشاعر قدم إلى القاهرة من الموصل في عهد السلطان الظاهر بيبرس فراراً من الزحف المغولي. ولا تزال ثلاث مخطوطات من التي كتبها ابن دانيال محفوظة حتى وقتنا الحاضر وهي طيف الخيال الموجودة بدار الكتب المصرية بالقاهرة،‏

و عجيب غريب و المتيم والضائع اليتيم مع خلاف حول نسبة هذه الأخيرة إليه. كما بقيت بعض الدمى من بينها واحدة من العصر المملوكي محفوظة بالقسم الإسلامي في متحف برلين.‏

كان العصر العثماني هو العصر الذهبي لخيال الظل في الشرق الإسلامي. إذ أُعجب العثمانيون بفن خيال الظل فاستقدموا العديد من فنانيه من القاهرة إلى إسطنبول لإقامة عروضهم هناك. وانتشرت تلك العروض كذلك عبر العالم العربي واستمرت حتى بدايات القرن العشرين.‏

وفي ظل الثقافة التركية ظهرت كلمة كراكوز التي حرّفت إلى أراكوز واستخدمت عبر الامتداد العربي طوال قرون للإشارة إلى دمية الظل. وتقول الأسطورة: إن كراكوز وعَيواظ كانا اسمين لرجلين حقيقيين عاشا في مدينة بورصة التركية في عهد السلطان أورخان، وعملا في مشروع لبناء مسجد بأمر منه. إلا أن الرجلين كانا كثيري الثرثرة والتهريج لدرجة أن حواراتهما الكوميدية المطوّلة قد شغلت بقية العمال تماماً وعطلت المشروع. وحين وصلت هذه الأنباء إلى السلطان أمر بشنقهما؛ لكنه سرعان ما ندم وأصيب بكآبة دفعت أحد رجال بلاطه إلى إنشاء شاشة في وسط القصر أخذ يرمي من خلفها بظل أحذية كراكوز وعيواظ مع مصاحبتها بالأصوات والحركات لمواساة السلطان!‏

وسواء كانت هذه القصة حقيقية أو متخيلة، تظل الشخصيتان الخياليتان كراكوز وعيواظ بالغتي التأثير في ثقافة ذلك العصر. إذ ان علينا أن نتنبه إلى أن مسرح الظل مثَّل في ذلك الوقت وسيلة الإعلام المرئي الوحيدة. وكان هذا المسرح من أهم وسائل الترفيه وقُدّم في المقاهي والساحات بل وحتى المناسبات الخاصة كحفلات الزواج والختان. لكن تأثير خيال الظل تجاوز الإطار الترفيهي. فكما كان مؤلفو تمثيليات خيال الظل يكتبون ويرتجلون لجمهورهم ما يخفف عنهم وطأة الحياة وبشكل عفوي بعيد عن تزويق الكتاب وخيالات الشعراء، فقد كانت الحوارات بين كراكوز الساذج وعيواظ الذكي حافلة أيضاً بالإسقاطات التي تساير نبض الشارع وتعبر عنه إزاء تطورات الأحداث السياسية والاجتماعية.. ما عرّض المؤلفين ولاعبي خيال الظل إلى الاضطهاد والملاحقة من قبل الحكام. فقد أحرقت جميع شخوص خيال الظل بأمر من السلطان جقمق عام 1451م لتعرضها بالنقد إلى السلطان ونظام حكمه في مصر. كما أن السلطات الفرنسية بعد استعمار الجزائر منعت مسرحيات خيال الظل تماماً. وبحسب المؤرخ عادل أبو شنب، فقد ساير خيال الظل تقلبات الحياة الاجتماعية والفنية. فمع أنه لاقى من جانب الحكام والسلاطين حظوة وقبولاً في بادئ الأمر، إلا أن الإقبال الشعبي عليه ما لبث أن أرداه في مهاوي العبث الرخيص والبذاءة. حتى إن علية المجتمع وعقلاءه لم يكونوا يشاهدون خيال الظل إلا عندما يشعرون بالحاجة إلى التبذل! ومن هنا نشأ ازدراء تواريخ الأدب لهذا النوع.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية