تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


تشكيل... أسامة دياب في صالة الرواق..تحوير الشـكل الأنثوي وعفويته ورمزيته..

ثقافة
الأربعاء 29-8 -2018
أديب مخزوم

«المرأة» موضوع قديم وجديد ومتجدد يستعيده الفنان أسامة دياب عبر 25 لوحة متوسطة وكبيرة، في معرضه الفردي الجديد بصالة الرواق العربي، تحت عنوان: (رماد مخصب - حوا) للتعبير عن الانعتاق والانبعاث,

حيث يقدم موضوع المرأة كرمز للأسطورة والجمال والأرض والعطاء والتاريخ, وقد تنوعت طرق المعالجة بالدمج بين الواقعية والتعبيرية والرمزية والخيالية، وبما يتلاءم مع ثقافة فنون العصر، حيث ظهرت المرأة وحيدة أو محاصرة برموزها، مع الهلال والتفاحة والغزال والقطة والسمكة والطير والأفعى وغيرها، وبرزت معاني النبل والشاعرية والقداسة, وبدا المعرض بمثابة صورة بانورامية استعادية للمرأة الرمز، التي تختصر الشرق الأسطوري، بأسراره المستمرة والمتواصلة عبر تعاقب العصور والأزمنة.‏

درجات مخففة‏

وفي لوحاته يطرح موضوع المرأة, بلا تصنع, وبلا تكلف, وبعفوية وبألوان مغايرة للون الجسد الطبيعي، حيث يضفي ألوانا فيها درجات مخففة من الأبيض والأزرق والأحمر والبنفسجي وغيرها, مع التأكيد على التحوير والابتعاد عن الواقعية التقليدية، وهو يحافظ في هذه الأعمال على خصائصها الجمالية والتعبيرية،, مع اتجاهه نحو التلخيص والاختصار في خلفية تلك اللوحات، بحيث تتحول تلك الخلفيات الى مساحات لونية تجريدية، بعيدة عن التسطيح واقرب الى اللمسات والحركات اللونية الغنائية والشاعرية.‏

ولقد رأينا في بعض اللوحات المعروضة,اتجاها لإظهار رمزية الشكل الأنثوي في فضاءات الرؤى الأسطورية والتاريخية, القادمة من عمق الأزمنة الغابرة في فجر التاريخ, مع التركيز لإبراز المضامين الإنسانية, والنواحي الجمالية التشكيلية الحديثة، لجهة توزيع المساحات والضربات اللونية العريضة، كما أن خلفية اللوحة تنقسم أحيانا إلى مساحتين، فيها مساحات لونية متباينة في ألوانها وإضاءاتها, و تظهر العناصر النسائية احياناً كظلال لاأجسام لها.‏

وعلى الصعيد التشكيلي والتقني يطرح موضوع المرأة, بكثافة لونية وبتقنية حديثة، وهذا ناتج عن تقنية تركيب الطبقات اللونية، مع التركيز لإظهار «الكونتراست» اللوني, وهذا يساهم في إغناء الحركة البصرية في فضاء السطح التصويري، يعزز ذلك وجود مساحات مصاغة بألوان قوية وصريحة مثل الأحمر الأزرق والأصفر.‏

بياض لوني‏

وإلى جانب اتجاهه لتقديم موضوع المرأة بكثير من العفوية اللونية المباشرة, واللمسات الضوئية المشرقة, وصولا الى الاتجاه التعبيري الذاتي, الذي يؤدي الى مزيد من التحوير والتلخيص الشكلي في معالجة موضوع المرأة, نجده يركز في لوحات كثيرة لإظهار موضوع العري او نصف العري عبر لمسات اللون العفوي المشحونة بالمشاعر والأحاسيس العميقة, وصولاً الى إضفاء اللمسات, التي تعتمد على التقاط لمسات الضوء المباشرة, التي تغمر الشكل المرسوم, أو أجزاء منه، وصولاً إلى إظهار البياض اللوني, في أماكن متفرقة من اللوحة, وهكذا اتجهت بعض الأعمال من الصياغة الواقعية، إلى بعض الاتجاهات الخيالية والرمزية مروراً ببعض الإيحاءات والرؤى الأسطورية.‏

ولوحاته الحديثة المرتبطة بأجواء الماضي، تصبح بهذا المعنى قادرة على احتواء التقنيات اللونية الحديثة, وهو يمنح اشكاله ورموزه التعبيرية، حركة حية مقروءة في وجوه أنثوية تتميز بنظرة لا نهائية غارقة في الفراغ والصمت والتفاؤل، وقد تثير التساؤل عبر دلالات ملامحها الساكنة ووضعية أياديها المتعبة.‏

وهذا يعني أن اسامة دياب يحافظ على خطه الأسلوبي، ويعمل لإيجاد نقاط الارتكاز والانطلاق, في اختباراته اليومية والتواصل مع الماضي والحاضر معاً، كما يستخدم اللون بتجاوزاته المختلفة، وينتقل من الصياغة الأكاديمية والواقعية، إلى الصياغة التعبيرية والعفوية والحديثة والخاصة.‏

وهذا التحرر يبعد التجربة مسافات عن القيود والقواعد المدرسية الجامدة, و يقدم خلاصة البحوث التشكيلية والتقنية والاسلوبية, مع اتجاهه هذه المرة لايجاد المزيد من التحوير والاختزال، في خطوات التعبير عن حدة المفارقة بين الحياة والموت، وبين السكون والحركة، وبين الصمت والتفجير.‏

إضاءات متدفقة‏

وعلى الرغم من الصعوبات التي يعانيها الفنان التشكيلي السوري في هذه المرحلة المريرة، فإن ذلك لم يؤثر فعلياً في عملية إخماد رغبته في الانتاج والعرض، والتركيز على اللوحة المرتبطة بقضية الانسان. وهو في لوحاته الجديدة، يعمل على تنويع المفردات التشكيلية، وتحريكها بصياغات بصرية متجددة، تستعرض تلك العلاقة الحميمية القائمة بين اللون والخط والخط والحركة، ليكشف أمامنا نتائج اختبارات تجربة فنية، تتعامل مع الرموز, ضمن هاجس إبراز التضاد بين الشفافية والوهج، وبين السكون والحركة.‏

وتبرز الإشارات أو المدلولات التشكيلية المعبرة عن تموجات الحالة الداخلية الانفعالية, وتصبح اللوحة أقرب إلى الصياغة التعبيرية, فهو يستمد من حيوية الخطوط، وبلاغة التعبير قوة الاختزال, والتركيز في كل لوحة على حدة،على ايقاعات ألوان محددة وتدرجاتها.‏

وهو في هذا النطاق يظهر مقدرة في معالجة عناصره التشكيلية الخاصة، وفي جزئيات لوحاته الجديدة، نلمس خلاصة فنه العفوي، ومهارته التقنية ومنهجه العقلاني والعاطفي في آن واحد، فهو يصوغ أشكاله بحركات خطية ولونية ليحصل على اللون المطلوب، الذي يتولد من خلال الإضاءة المتدفقة في فسحات اللوحة، والمساحات المضاءة تزيد من حدة المساحات الخافتة, وتربط بين تكاوين العناصر والأشكال.‏

facebook.com adib.makhzoum‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية