تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


إبداع عالمي... أن يســتعمرك «الجمـــال» بجاذبيـة غموضـه..!

ثقافة
الأربعاء 29-8 -2018
لميس علي

«هناك قدرة لامتناهية لصنع البَشِع، بينما هناك قدرة محدودة لصنع الجميل».. يعبّر عن ذلك أمبرتو إيكو في كتابه (تاريخ القبح) الذي جاء تالياً لكتاب وضعه قبلاً هو (تاريخ الجمال)..

ووفق هاتين الثنائيتين يبدو أول تنافر بينهما ظاهراً بما ذكره المؤلف، كون للقبح أبعادٌ ومعايير لامحدودة يمكن توصيفه بها على الضد تماماً من مفهوم الجمال..‏

وعلى الرغم من كل ذلك.. من كل لامحدودية توافر البشع والقبيح، قبالة صعوبة القبض على مفهوم محدد لما هو جميل يبقى هذا الأخير صاحب الطغيان الأكبر غير الواضح مستعمراً الناظر إليه..‏

فكيف لنا أن نعرّف الجمال/الجميل..؟‏

هل يمكن تحديد ماهية معينة وتوفير مقاييس واضحة لما يمكن أن نطلق عليه «جميل»..؟‏

وهل يعني ما تقدّم أن الجمال نادر..؟‏

بمفهوم يغور إلى عمق الأشياء يبدو الجمال متماهياً مع مقاومة الهشاشة والسطحية وحتى الحمق في مختلف الفضاءات الإبداعية والفنية.. لطالما كان مرتبطاً طوال قرون، ولايزال، بهذا النوع من فضاءات التعبير.. وهنا تحديداً يتحرر من معاني جمال ظاهري، نافذاً إلى جوهر الأشياء وعمق المعاني ومقاصدها.‏

يسحرنا فيلم سينمائي دون غيره.. وتحبس أنفاسنا مقطوعة موسيقية.. رقصة.. لوحة فنية.. وغيرها من جماليات الإبداع الإنساني.. أحياناً منظر طبيعي.. وجه طفل.. زيٌّ من أزياء الموضة.. أشياء تـأثرنا بلفتات غاية في الروعة وتفاصيل فاتنة في دقة منشئها..‏

وهي ضروب متنوّعة في تقصّي مفردات ومعاني «جمال» مهما بدا غير مدرك في حصر ماهيته، تبقى تساعدنا لمواجهة تلك اللامحدودية والقدرة اللامتناهية في تصنيع القبح.‏

لعل القبح يتفشّى في زمن أكثر من غيره..‏

لعله يتضخّم ويتكاثر زمنَ الحرب خانقاً أي قدرة على توليد براعم جمال تصبح نادرة وحتى حين توافرها لاتكاد تُلحظ.. فليست كل عين ترى.. وليس كل نظر قادراً على التقاط ما هو جميل ولافت وجذّاب..‏

هل ندرة الجمال تؤدي إلى شيء من غرابته..؟‏

بحيث نصل إلى مفهوم «الغرابة المقلقة» تلك التي استخدمها إيكو في معرض حديثه عن القبح.. ونسوقها هنا للحديث عن القلق الذي لربما أصابنا من الغرابة المحيطة بمفهوم «الجمال».. وكلما لو غرابته تتناسب اطّراداً مع ندرته وقلّته.. ما يخلق هالة من غموض تتزايد فتصيد مَن حوله..‏

هل يؤدي الأمر إلى الاعتقاد أن «الجمال» مفهومٌ مضلّلٌ وملتبسٌ..؟‏

بحسب الكاتب الفرنسي جون دومورسون «الجمال مضلل، وكاذب، ومخيبٌ للآمال أحياناً. قابل للنّقاش وملتبس بشكل دائم. يحفظ روابط ضيقة، يعرفها الكلّ، مع جاذبيات لا تتوقف عن تجاوز نفسها... الجمال عابر ومتقلّب كالزمن. ما بدا جميلاً بالأمس -الفنّ، والأخلاق، واللّغة-، وكل أشكال التّعبير، وطرق العيش والشّعور، والملابس، والوجوه، يبدو اليوم مضحكاً. وما يعجبنا اليوم سيصبح سخيفاً في الغد».‏

مع ورود كل تلك التوصيفات، هل يمكن أن نعتبر تاريخ القبح مناقضاً تماماً لتاريخ الجمال..؟‏

وبالتالي سيكون مفهوم القبح نظير مفهوم الجمال..؟‏

ولطالما كان الأولى متقارباً مع معاني الشر والسوء، يبدو الثاني متوافقاً ومعاني الخير والجودة.. ولهذا يوصل نهايةً لطريق السعادة أو بعضٍ من طعمها.‏

lamisali25@yahoo.com‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية