تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


آهٍ يا بحر..

ثقافة
الأربعاء 29-8 -2018
منال محمد يوسف

ما أجملك!

وما أجمل الجمال عندما يزدان بك, وما أبهى عظمتك !‏

وبهاء لحنك ولغته الزرقاء تبدو مُستديرة الضوء القرنفلي, مستديرة الرسالات وبوحها الصامت..‏

إنها فلسفات التأمل على شط الأيام, بين سحره الآتي..‏

ومُنتهى الشيء المُضاف إلى ذاكرته, وذاكرتنا, ومداد جماله الأعظم والسؤال الأزرق الذي يلحُّ علينا: أين أحرف البلاغة يا بحر ؟‏

لماذا يتوه الكلام وتختلط كل الأشياء بزُمرّد الأحزان..‏

كأنه الوجع الذي يتموّج عبر ثنايا الرُّوح..‏

ونحن على شط العبور, نجالس الذكريات أوبعضها أوربما جُلّها..‏

نجالس الوقت الهارب منّا, نجالس وجوه الأحبة و نُعشّبُ الأحلام البرّية ونشتكي هروب بعض القصائد إلى منفيات بعيدة..‏

لا ندري ما الذي حلّ بها وبنا, فربما المفاتيح ما عادت ذاتها والأبواب تحطّم نصفها والنصف الآخر..‏

لا ندري لماذا تمزّقت الأشرعة, وكأنّ تلك الأشياء الجميلة لم تكُن يوماً.. ولم يكن ذلك الزمن المُطرّز ربما بشيءٍ من اخضرار الحبق, وعطره الواقف على شرفات الذاكرة, ما نزال نلمحه, نسمع رنين صوته, وصدى ما يأتي من بعيد أومن قريب..‏

كل شيءٍ يُذكرّنا بك يا بحر, حتى بعض أقلامنا التي ما زلنا نمسكُ بها, كأنها حكاية حزنٍ أوربما أملٍ, هكذا نراها أونقرأ السطور, وما تحتها وخلفها, ما بين الفواصل ما زلنا نلمحك أيّها البحر..‏

على مُعظم الصفحات الروائية, تُضيءُ الوقت بشيءٍ من الزرقة, وما زلنا نتمنى أن نرتشف بعض مقررات الكلام, ونحنُّ لها في أحقيّة الشيء المراد رسمه خلف النوافذ البحرية وبعض لهجاتها الشبه يتيمة, كأنها مثل حالنا, تبكي شيءٍ ما..‏

وذكريات عبرت وكأنها لم تكن إلاّ غصّة جرحٍ, ما زال البحر يحفظُ بعض ملامحه, وبعض تفاصيله, وبعض الأشياء الجميلة التي تُضاف إليه..‏

ومن أجل هذه الإضافة أوتلك, يُصبح الزمن بلا أشرعة خرافية..‏

ونحن نسأل بلغةٍ شبه قمريّة, نسألُ: أتشرب من قهوتنا, من شهدٍ نتمنّى أن لايلحق به علقم الأيام, علقم الأزمان..‏

أيّها البحر: أتقرأ نثريات ما نكتب, هناك موجة تعرفنا, نشتكي لها شجن الفراق وغياب الأحبة, غياب الزرقة عن سماءٍ تمتلئ بالدُخان الرمادي..‏

آهٍ يا بحر..‏

كم تبدوقلوبنا معتّقة الأحزان تشبه موجات ٍ ما نزال ننظر بها, ونسألها بحق زرقة الآمال التي نلمحها في أخيلة الذاكرة..‏

ما زالت تبرق ونحن على الشطِ قهوتنا ما زالت كما هي, لا ألوان تدخل في عمقها, وتمحي اللون الأسود, قهوتنا ما زالت تشبه فواصل الزمن..‏

فواصل الدهشة, ونحن على الشطِ, ننتظر أحبة أن يأتي الدهر بهم, ننتظر أن تأتي السُفن في موعدها ولا تُحرق المواسم, ربما مواسم الانتظار..‏

آهٍ يا بحر إننا نخشى الغرق في كأسٍ من النبيذ أوربما في كأسٍ من زنجبيل الذكرى..‏

آهٍ يا بحر من عطش الأيام, ومن فلسفات الظمأ التي لا تنتهي, ومن ملوحةٍ تلدغ ذواتنا, تلدغ الذاكرة الوقتية لنا, الذاكرة اللحظية حتى ونحن نكتب جُلّ أوجاعنا..‏

وننادي جماليات الزرقة أن تُلقي سلامها علينا..‏

وعلى ذلك الصوت المبحوح الذي ينادي آهٍ يا بحر..‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية