تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


«لحظة دهر».. «احمل كفنكَ وتعالَ معي.. لا أحدْ يفهم جراحاتك»

ثقافة
الأربعاء 22-8-2018
هفاف ميهوب

وحده المبدع، من يواجه ويقاوم ويصارع الخيبات بالكلمات.. من لا تتعثَّر مفرداته رغم تعثُّر حياته.. وحدهُ، من يكفكف نزيف الجرحِ والقهر، وبما يخلّصهُ من الألمَ الذي يشعر اللحظة فيه «لحظة دهر».

وحدهُ يستحضر ما في ذاكرته من حكايا وصورٍ جميلة، وبكلِّ مافيهما من «ذكرى وعبرات» يستذكرهما أمام قبورِ الراحلين ومنهم «قبر الجليلة»..‏

كلُّ هذا لا يكفي، ومهما بلغ به الـ «تعب».. «لايكفي» أن يحيا في حالةِ «بحث» دائم عن أشباح الراحلين، لأنه سيُصابُ بـ «خيبة أمل» سببها لاجدوى بحثهِ، في وقعٍ أكثر من مُهين.‏

هذا مايفعله «محمد الحفري» القاص والمسرحي والروائي الذي يعيش في قلبِ الإبداع ليضيءُ بنورهِ كلّ عقل.. يفعل ذلك بأعمالٍ لم يكن أولها ولا آخرها، ما تناوله في «لحظة دهر».‏

إنه عنوان أول قصة من هذه المجموعة القصصية. القصة التي أعاد فيها بطله إلى مسقط قلبه، وبتداعياتٍ استدعت ذكريات نشأته وأسرته وحنينه إلى كلِّ ماجعله وأنى ارتحل «مسكونٌ بقبرٍ وشاهدة» هما كلّ ما بقيَ لمرآةِ عينه.‏

يعود من سفرهِ إلى بلدته. إلى الشارع الذي شهد طفولته. إلى البلدة التي باتت بعد عمرٍ من الغياب تشبهُ المدينة.. إلى بيته القديم الذي كاد يتوهُ عنه لولا أن أرشدهُ ما تبقى من حجارةٍ وخرائبٍ قديمة.. الأهم، إلى قبرِ والديه.. يدنو من قبرِ والده، يرى الحجارة تتربع فوقه ولا يظهر منها غير الشاهدة التي كتب عليها اسمه، وبما جعلهُ يكادُ يصرخ:‏

«احملْ كفنك والرصاص الذي اخترقَ جسدك وتعال معي.. هنا لاأحد يفهم بجراحاتك، ولا بعددِ الرصاصات ولا بمن أطلقها عليك. انهض وابحث عن مكانٍ آخر.. «ذرعان» مشغولة عنك اليوم بالمقاولين والتجار والسماسرة».‏

لاشك أنها سخرية الكاتب من واقعٍ دفنهُ تجار الحياة ليُحيوا مصالحهم، ومن الدؤوبين على هدمِ الإنسان والأوطان، وبناء ذواتهم ومستقبلهم..‏

سخريته من واقعٍ اضطرَّتهُ ملامحه القاحلة، لاستدعاءِ بطله مثلما ظلّ والدته الراحلة. يقترب منها، علّه يلمس وجهها. لكن، لا يجد إلا سراباً وتراباً:‏

«تراباً طرياً وناعماً فيه كل عطاءِ الأرض وخفقان قلبها وخوفها على أبنائها من أن يضيعوا فوق مسالكها الوعرة».‏

لم تثنه الأم عن فكرته، وهي أن يحمل شاهدة قبر والده ويأخذها ليضعها حيث يشاء أن تكون قبور أحبته.. فجأة، انتابه إحساس غريب..‏

«هل كان حلماً ماحدث، أم هو زمانٌ جديد يبدأ ؟!!. رأيت الكثيرين من أهل المقبرة ينهضون بثيابهم البيضاء، ويهللون لاستقبالِ قادم جديد. رأيت بينهم أبي وأمي.‏

ضموني جميعاً، وحلَّقوا بي. نظرتُ خلفي وبقايا دماء مازالت تقطر من فجوة تركتها رصاصة برأسي، ومثل نقطة فوق ماء، ظهرت لي بلدة صغيرة مليئة بالخضرة والماء، عندما لوّحت لبلدتي-الجنة المفقودة»..‏

إنها البداية الأوجع لقصصٍ، من شدَّة ما الحياة ارهقتها، أبى إلا أن يدون معاناتها.. المعاناة التي سببها واقع موبوءٌ بجشعِ المقاولين والجشعين بطريقةٍ جداً دونية، ممن تقودهم شهواتهم لاقتراف مالا يمكن أن ترضى عنه الأخلاق والقيم الإنسانية.‏

من هذه القصص «شعيلة» و»ذكرى وعبرات» حيث حضور المكان وجلاله. الغياب وتداعيات مابعد الحضور صمتاً يستحضرُ العشق وزمانه.. الأرض ونسائمها وملاعبها.. الصبا والحنين لأجملِ الذكريات، حيث عفوية الإنسان وبساطة الحياة.‏

هي قصصٌ عن الخيانة والغدرِ والحقد والفساد.. عن التآمر على الأمومة والأرض والحبيبة والأمكنة.. على الحبِّ والجمالِ وكلِّ مايُحيي البلاد.‏

قصصٌ فيها «تعب» ومحاكاةٌ ولا أملْ.. أسئلة تفرضها حياة متأزمة ومتورمة، من الخيبات الكثيرة وليس فقط، من «خيبة أمل».‏

حتماً، هي محاكاة الكاتب لأشخاصه ومجتمعه وعالمه وذاته. هي صورٌ واجهتهُ فأوجعتهُ، بـ «تداعيات بيدق» وصرختهُ:‏

«الأخطار تتهدَّدني من كل الجهات. الذين من خلفي والذين أظنهم رفاقي وأصدقائي. أشعر أحياناً، بأنهم يفرحون بموتي. أسمع همساتهم، أصواتهم اللاهثة وهم يعبرون مسرعي الخطى فوق جثتي وأنا في الرمق الأخير..‏

أعتقد أن مرورهم السريع نصرٌ، وأعتقده هزيمة. لكن، المرور فوق جثتي أمر محتوم. هل قدر على البيادق، مرور النصر والهزائم من فوق أجسادها، دون أن تجني شيئاً لذاتها»؟..‏

باختصار.. هي قصص اختارها «الحفري» من واقعه ومجتمعه وبيئته التي وسّدها الحلم.. قصصٌ تعاني، لكنها تجتهد بحثاً عما يضيء مفرداتها ويبعد عنها كل ظلامٍ وظلم.‏

قصص، تحاكي الروح والعقل والوجدان. تحاكي الضمير الميت بأن استيقظ، يكفيك خذلاناً للحياة والإنسان.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية