تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


استعادة العيد

معاً على الطريق
الأربعاء 22-8-2018
أنيسة عبود

في كل مرة يأتي العيد نرتبك ونحتار كيف سنستقبل العيد .

وفي كل عيد لا بد من ذكر احتياجاته ومصاريفه وأعبائه المادية الثقيلة التي ترهق الأسر التي لا دخل لها سوى الراتب المتقزم يوماً بعد يوم .‏

لكن صارت شكوانا عادة ..وصارت أحاديث العيد متعبة وكأننا نروم الهروب منه ومن واجباته ..لكن في الوقت ذاته إذا جاء العيد ولم نعرف كيف نحتفي به نحزن ونصاب بالكآبة مع أننا بين العبارة والأخرى نقول ( نحن مش معيدين )‏

وهذه أل ( مش معيدين ) ماذا تعني .؟‏

هل تعني أننا لا نريد استقبال الضيوف ؟‏

وهل نعني أننا سنغلق الباب ونختبئ في الداخل ولن نرد على الهواتف ولن نزور أحداً ؟‏

يمكن أن يكون هذا هو المعنى ..ويمكن أن تكون كآبة السنوات السبع هي السبب ..وقد يكون الغلاء وقلة ذات اليد والمجاملات المتعبة هي الوجه الحقيقي للشكوى من العيد .‏

لكن ..لنعترف، العيد دون أصدقاء يشاركونك القهوة ويبادلونك المعايدة ليس عيداً‏

والعيد دون ضجة وزحمة العائلة والأولاد و( كركبة ) المطبخ وشكوى الأمهات من التعب ليس عيداًحقيقياً ..‏

بعض العائلات تفضل ( النأي بالنفس ) على الطريقة اللبنانية ..وتغادر المنزل إلى أماكن الاستجمام والاصطياف وتنزوي مع ذاتها بحيث تنفرد بعيدها وحدها ..فلا تربكها الزحمة ولا طناجر المحشي أو اليبرق ..وعندما ينتهي العيد تعود إلى حالتها الأولى ..وهذا حقها ..ولكن هل شعرت هذه العائلات بطعم العيد ؟ هل مرّ عليها العيد حقاً وشعرت بتبدلات الوقت ؟‏

في العيد نتذكر الطفولة ..ونعود إلى صورة الماضي ..إلى الأبواب العتيقة وإلى بيوت الجيران ورائحة السكر المحروق ..في العيد يصاب الكبار بالحسرة لأن المسافة كبرت بينهم وبين الأعياد ..ولعل هذه المسافة هي التي جعلت لذكريات العيد معنى ..وهي التي جعلت الأعياد تترسخ في الذاكرة ..حيث لا ننسى حلوى كعب الغزال ..ولا كيس غزل البنات ..ولا البوظة الملونة من عربيات العيد ..ولا أول جرح من - الدويخة ..أو مرجوحة العيد - صور تتراكم وتتجمع ..وفي لحظات معينة تنفلش وتعيد لنا كل التفاصيل الصغيرة التي تشكل ذاكرة الزمان والمكان وترسم خارطة الوجوه الحبيبة التي كانت تحيط بنا وتقدم لنا (العيدية)‏

لكن كثيرون لم يعرفوا العيد ..وخاصة أبناء القرى النائية عن المدينة وعن ( مراجيح ) العيد وعن المعايدات التي يمكن أن تصرف في شراء الألعاب والحلوى ..غير أن الريفيين كانوا يعوضون ذلك بالتين المجفف وفطائر السكر والزبدة . وكانت الفتيات الشابات ( مثل أمل دياب ) يسهرن على صناعة الدمى القماشية التي تحشى بالقطن أو الثياب العتيقة ..وكانت أمل ترسم لها العيون أو تضع لها الأزرار وتطلق عليها الأسماء وتغني لها الأغنيات التي تؤلفها ..وكم ابتكرت من حقائب قماشية مطرزة بالخرز وخيوط الصوف لتقدمها مملوءة بالألعاب لأخوتها الصغار فيفرحون بها أكثر من الألعاب الجاهزة ..وعندما كبرت أمل وأخوتها ..وصارت سوق الألعاب متاحة لهم، كان الجميع يتذكر ألعاب أمل القماشية ويطالبونها بتجديد ابتكاراتها وكأنهم بذلك يريدون العودة إلى الطفولة أكثر .‏

لكن الأعياد تكبر هي الأخرى ..وتشيخ كما يشيخ المرء ..وتصبح بلا نكهة مع توالي الهموم ومشاغل الحياة التي لا تكف عن الحفر في الرأس والجسد .‏

وإذا ما عدنا إلى عيد الأضحى ..لا بد لنا من تذكر أن السوريين محرومون من أداء فريضة الحج ..محرومون من تلك الطقوس الجميلة حيث تزدان بوابات البيوت والشرفات بالأضواء والألوان وعبارات ( حجاً مبروراً...) إلى أن تصل قوافل الحجاج الذين سيعودون بعد العيد وسيوزعون الهدايا والتذكارات من أرض النبي (ص) .‏

للأسف ..صارت طقوس الحج ذكريات وقوافلهم ذكريات وصارت كما لو أنها طقس من الماضي ..وهذا الماضي بعيد جداً جداً ولا يمكننا استعادته إلا بالذكرى المموجة بالألم، فكم ستتسع ذاكرتنا بعد الحرب .. وكم سيتسع القلب لحمل هذه الذكريات المتناقضة .. وأخيراً لا بد من إلقاء السلام على الشهداء والجرحى والجيش وكل عيد وأنتم بخير .‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية