تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


«سعد محمد رحيم».. أنا مع مثقف يضيء بثقافته.. و يفضح وجوه صنَّاع العتمات

ثقافة
الأربعاء 11-4-2018
هفاف ميهوب

أديبٌ، مثلما جسدَ آلامَ من عايشهم على أرضِ التيهِ والفناء، جسدَ ظلمَ وظلامَ من كانوا السبب في آلامهم وبـ»الصعود إلى برج الجوزاء»..

الصعود بعقله واستبصار ماوراء «المحطات القصيّة». أيضاً، مافي الحياة من خفايا استظلَّ بـ «ظلِّ التوت الأحمر» ليراها بعينه الإبداعية.‏‏

‏‏

إنه الكاتب والقاص والروائي العراقي «سعد محمد رحيم» الذي ولأنه أدخلنا وإياه إلى «فسحة للجنون» لنرى بشاعة القتل الملعون، ولأنه فاجأنا بإطلاقهِ «رصاص العمق الهادئ» على كلّ من تسبَّب بـ «مقتل بائع الكتب» مثلما الأخلاق والمبادئ. لأنه فعل كلّ ذلك، قررنا محاورته، وسؤاله عبر صفحته:‏‏

- مبدعٌ، تغوصُ في الحياة وتنير ظلامها. تنفض ماعلقَ بعقولِ أفرادها من غبار الأفكار، وتُدين انسياقهم وراءَ ماأغرقنا بالتشرذم والانهيار. من أنتَ غير ذلك؟.‏‏

--- من أكون من غير الكتابة؟.. الكتابة في خلدي بلادٌ ومنفى وفردوس.. مدينة أحلام ملونة، ومتاهةٌ، وأرض الإيمان في زمن التعاسات. هي الرحمُ وهي القبر، والمسافة الملتبسة الرائعة والحزينة التي بينهما، وخلا ذلك أنا شاهدٌ وشهيد.. مراقبٌ فضولي للحماقات وأخطاء البشر ومتورطٌ بها إلى حدٍّ.. عالقٌ في هامش العالم أحاول إحداث جلبةٍ ما بوساطة الكلمات.‏‏

أنا أيضاً رحالة، حتى وإن مكثتُ طويلاً في غرفتي، تتقاذفني الطرقات والمدن والبحار بحثاً عن حقيقةٍ لا أعرف ماهي وكيف هي وأين.‏‏

أيضاً أنا مهووسٌ بالحياة، وعاشقٌ أبدي للجمال، للنور، لليل، للطبيعة، للمرأة، للعائلة، للصداقات، للأطفال، للكتب، للحق والعدالة والحرية.‏‏

- غالبية أبطالك، من المثقفين الهاربين من أزماتهم إلى خيباتهم. ياتُرى إلى متى سيبقى المثقف العربي في حالةِ هروبٍ لا نهائية؟.‏‏

--- الهاربون هم من يوجعهم ضميرهم، لأنهم ليسوا ضحايا فقط، بل مشاركون بهذا القدر أو ذاك فيما يحصل، ويتحملون بعض المسؤولية، وليس عليهم التنصل من أخطائهم وخطاياهم، وفي رواياتي حاولت تصوير نماذج حية عايشتها أو سمعت وقرأت عنها، ودائماً أتكلم عن مثالٍ يمثّلُ جيلاً ونمطاً سائداً.‏‏

لست مع «المثقف المازوكي» الذي يكتفي بجلد ذاته وينزوي مخدراً في زاوية ما يجتر خيباته، ولامع المثقف الذي يسوِّغ مصيره بلومِ الزمان والظروف المعاكسة، ولا مع «المثقف النطاط» الذي يتقافز كالقردِ من حبلٍ إلى آخر.. أنا مع المثقف الناقد الذي يواجه ذاته وعالمه بشجاعة، ومع الذي يعترف بدافع من وعيٍ يقظ وضميرٍ حي بما اقترف من جنايات فكرية، أو بسكوته في الوقت الذي عليه أن يتكلم فيه. مع المثقف الذي يفضح بضوءِ ثقافته وجوه صنّاع العتمات. أما إلى متى؟. فمن يدري.. الحال أشد تعقيداً وخطورة مما نتصور.‏‏

- تقول»: «أن يكون المرءُ كاتباً في بلدٍ عربي، معناه أنه يخاطر بحياته ومستقبله..».. ماذا عن حالِ الكاتب وخصوصاً التنويري، في مجتمعٍ يحكمهُ فكرٌ أسودٌ- تكفيري؟.‏‏

--- الكاتب التنويري يسير اليوم على حبلٍ مشدود فوق هاوية، وعليه أن يكون صبوراً ذكياً حاذقاً وجريئاً، وأن يفهم أنه يخوض صراعاً ضارياً ضدَّ كل ما يمثِّل الشر والخسَّة والفساد، وأن الثمن الذي قد يُدفع في هذا الخضم مُستحق حتى وإن خسر حياته. هنا أستحضر ما قاله الراحل «أمل دنقل» يوماً: «إنْ نطقتَ متَّ، وإنْ سكتَّ متَّ، فقلها ومت».‏‏

نعرف أن المشكلة في راهننا مركّبة، وأن ما يهدد مستقبلنا يأتي من جحورٍ لم ننتبه لها كفاية مبكراً، وأن قوى التكفير بقدر ما هي نتاج واقع مجتمعاتنا المبتلاة بالجهل والتخلف، بقدر ماهي صناعة مخابراتية إقليمية ودولية أيضاً. الأدهى أن الحقائق ضائعة بين ركامِ ونفايات الأضاليل الفكرية والإعلامية.‏‏

- تقول أيضاً في «المثقف الذي يدس أنفه»: التنويري، من يسعى لفك السحر عن العالم بعقلانية وإنسانية وعدالة..». برأيك، أي سحرٍ نحتاجه لاستحضار هكذا مثقف؟.‏‏

-- سلطة العقل هي السحر الذي سيطيح بسحر الخرافة وترّهات المتعصبين بأشكالهم كافة. إن هُزم العقل هُزمنا نحن، فالحلول لا توجد في رؤوس القابعين في كهوف الظلام، ولا عند الحالمين الرومانسيين الذين لا يتقنون قراءة الواقع وتناقضاته وصراعاته والقوى المؤثرة فيه، غير أن العقل وحده لن يحقق غايته ما لم يكن مدعوماً بقيم الحياة الخيّرة.. أن نؤمن بالتنوع وروح الحوار واحترام الإنسان وحريته وحقوقه بغض النظر عن انتمائه وخياراته السلمية، وأرى أن العقل المشرّب بالقيم الأخلاقية العليا يقول: ما لم يحصل كل فردٍ على العدالة والحرية والدور والمكانة التي يستحق، فعلينا توقع ما لا يسر دائماً.‏‏

- من يقرأ روايتك «مقتل بائع الكتب» يخطر لهُ سؤالك: هل أردت القول، أن مجتمعاتنا تعشق الظلام، وترفضُ كل إضاءةٍ تُسلَّطُ على عفونة تفكيرها؟.‏‏

--- أبداً لم أرد بثّ الروحِ التشاؤمية، فالمجتمع ليس مثالياً وله أمراضه ومواطن ضعفه وقصوره، لكن فيه أيضاً ممكنات هائلة تحوِّل عقبات شتى دون أن تستحيل إلى صور مشرقة. لذلك مقابل الشخصيات السلبية والمهزومة وضعتُ شخصيات بروحٍ مفعمة بالأمل، تعمل وتقاوم وتتطلع إلى أفق جديد، وقد ختمتُ هذه الرواية، بترديدِ الصحافي لترنيمةٍ شجية تحتفي بالحب والحياة..‏‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية